كتب حسني الخطيب : المثلية الجنسية بين الجينات والبيئة

أثبتت الأبحاث العلمية وجود أدلة بيولوجية للتوجه الجنسي منذ الثمانينات، وقد جرى التأكيد على هذه العلاقة من خلال بحث علمي جديد يؤكد أن الأشخاص الذين ينجذبون إلى آخرين من نفس الجنس يتطور لديهم التوجه الجنسي قبل الولادة، كما برهن العلم على أن الوالدين لا يتحملان هذا الذنب.

هذا وقد أكد الباحثون في عام 2014م وجود علاقة بين المثلية الجنسية لدى الرجال ومنطقة كروموسومية محددة، وهذا يشبه النتائج التي تم نشرها في التسعينات، والتي أدت في ذلك الوقت إلى ظهور فكرة وجود (جين المثلية الجنسية)، كما وأن الدراسات الحديثة أظهرت أن المثلية الجنسية سمة وراثية، وأن ثمة أدلة قوية تؤكد على وجود تفاعل معقد بين الجينات والبيئة المحيطة، وهي المسؤولة بنسبة كبيرة عن الطبيعة الموروثة للتوجه الجنسي.



وقد جاءت هذه النتائج كتقييم لجميع البحوث المتعلقة بموضوع (الميول الجنسية) والتي أجريت على مدى السنوات الخمسين الماضية، فالعديد من الدراسات العلمية والتي شملت دراسة الأسرة والتوائم وركزت على هذا المجال، قدمت نتائج متقاربة وأظهرت أن المثلية الجنسية لها عنصران هما: (وراثي وبيئي).

فقد بينت الدراسات العائلية أن الرجال المثليين لديهم أشقاء أكبر سنا من الرجال غير المثليين، وهم أيضا أكثر عرضة لوجود إخوة مثليين في أسرتهم، وبالمثل تبين هذه الدراسات الأسرية أن النساء المثليات لديهن أخوات مثليات أكثر من النساء غير المثليات.

أما الدراسات على التوائم المتطابقين، فكان لها أهمية خاصة لأنهم يرثون نفس الجينات، وهذا ما ألقى الضوء على سبب وراثي محتمل، حيث أثبتت الدراسات التي أجريت على التوائم أن المثلية الجنسية أكثر شيوعا في التوائم المتطابقين عن التوائم غير المتطابقين، وهذا يثبت أن المثلية الجنسية يمكن أن تورّث، لكن مدى التأثير الوراثي بين التوائم كان أقل من المتوقع، كما أكدت النتائج أنه على الرغم من أن المثلية يمكن أن تكون وراثية، فإن هذا لا يحدث وفقا لقواعد الوراثة الكلاسيكية، وإنما يحدث من خلال آلية أخرى، والمعروفة باسم علم التخلق (Epigenetics).

علم التخلق (علم ما فوق الجينات) هو علم يختص بتأثير العوامل البيئية على الجينات، سواء في الرحم أو بعد الولادة، وقد تطور مجال علم التخلق بعد اكتشاف أساليب جديدة للتعرف على الآليات أو العلامات الجزيئية التي تنقل تأثير البيئة على التعبير الجيني، وعادة ما تمحى هذه العلامات المميزة من جيل إلى جيل، ولكن في ظل ظروف معينة يمكن نقلها إلى الجيل التالي.

فعادة كل الإناث لديهن اثنين من الكروموسومات (x) واحد منها غير نشط أو متوقف بطريقة عشوائية، وقد لاحظ الباحثون أنه في بعض الأمهات اللواتي لديهن أبناء ذكور مثليين، هناك ميل شديد في تعطيل كروموسومات (x)، فالعملية هنا لم تعد عشوائية، كما أن كروموسوم (x) نفسه معطل لدى هؤلاء الأمهات، وهذا يشير إلى أن أي منطقة على كروموسوم (x) قد تكون لها علاقة في تحديد التوجه الجنسي.

وهكذا تقترح فرضية علم التخلق الوراثي أن المرء يطور استعدادا للمثلية الجنسية من خلال وراثة علامات جزيئية عبر الأجيال، كما ويمكن أيضا أن تؤثر العوامل البيئية الخارجية مثل العقاقير الطبية والمواد الكيميائية والمركبات السامة ومبيدات الآفات على الحمض النووي (DNA) وذلك عن طريق إنشاء علامات جزيئية جديدة، كما ويمكن لهذه العوامل البيئية أيضا أن تتداخل مع النظام الهرموني للمرأة الحامل، وهذا يؤثر على مستويات ونشاط الهرمونات الجنسية في الجنين النامي، وسوف تحدد الدراسات المستقبلية ما إذا كانت هذه العوامل لها تأثير مباشر على الأجزاء في الدماغ المرتبطة بتحديد الميل الجنسي.

أما من المنظور التطوري فيقال إن العلاقات المثلية بين الجنسين تشكل (مفارقة داروينية)، لأنها لا تسهم في التكاثر البشري، وتؤكد هذه الحجة لأن العلاقات بين نفس الجنس لا تساهم في التناسل، فهي بذلك مرفوضة وأن هذه التوجهات الجنسية المثلية ستنحسر وتختفي مع مرور الوقت، لكن ما يحدث أن هذه التوجهات المثلية تحدث باستمرار في معظم المجتمعات البشرية وفي مملكة الحيوان أيضا طوال الوقت، ويبدو أيضا أن هناك عوامل تعويضية في ما يعرف باسم (فرضية موازنة الاختيار) التي تعلل تكاثر وبقاء الأنواع، وفي هذا السياق ثبت أن الإناث اللاتي لديهن أقارب من الرجال المثليين، يكون لديهن عددا أكبر من الأطفال في المتوسط من النساء اللواتي ليس لديهن أقارب رجال مثليين جنسيا.

وهكذا أكدت وأظهرت العديد من الدراسات العلمية أن التوجه الجنسي محدد بيولوجيا، لكن لا يوجد عامل جيني أو بيئي واحد مسؤول عن هذا الأمر، بل هي مجموعة من التفاعلات المعقدة بين الاثنين والتي تحدد التوجه الجنسي للمرء، إلا أنه ومع ذلك فإن المزيد من الأدلة تقود الباحثين إلى منطقة معينة على كروموسوم (x) وربما منطقة على كروموسوم آخر، إلى أن تحديد هذه المناطق الكروموسومية لا يعني أن المثلية اضطراب كما أنه لا يعني أن هناك طفرات في الجينات في هذه المناطق التي لا يزال يتعين تحديدها، لكنه يعني أن هناك منطقة معينة على الكروموسوم هي التي تحدد التوجه الجنسي.

وعلى الرغم من أن البحوث لم تجد حتى الآن ما هي الآليات الدقيقة التي تحدد التوجه الجنسي، فمن المرجح أن نتوصل إلى الإجابات من خلال البحث المستمر، وستكون هذه النتائج مهمة في مجال علم الوراثة، والأهم من ذلك بالنسبة لأولئك الذين ينجذبون نحو آخرين من نفس الجنس والمجتمع ككل.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟