كتب/ خالد عبدالحميد مصطفى: هتلر العسكري وهتلر البلطجي

الثلاثاء 06/01/2026

كتب: خالد عبدالحميد مصطفى

أبدأ مقالي برسالة إلى الشعب الأمريكي الشجاع، الذي ما زال في ضميره متسع للحق وفي وعيه قدرة على التمييز بين القوة والعدوان… أنتم تدركون أن عظمة بلادكم لم تُبنَ على سفك الدماء ولا على إخضاع الشعوب، بل على قيم الحرية والعدل وكرامة الإنسان. واليوم، لا يناشدكم العالم بسلاح ولا بمال، بل يستنفر ما تبقّى من أخلاق وشرف في أمة قادت البشرية يوماً بالقيم قبل القوة. إن تحرككم ليس خياراً سياسياً، بل مسؤولية تاريخية، لمنع إختطاف إسم أمريكا إلى مسارات لا تشبهكم، ولإعادة قيادتها إلى مكانها الطبيعي حيث  منصات السلام، وجسور المحبة، وإحترام قدسية الدم الإنساني كما نادت بها الأديان قبل الدساتير.

بلطجة غربية على مرئ ومسمع من العالم، فيلم أكشن إجرامي بطله الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وجائزة أوسكار مقدمة من المنظمات الدولية المنظمة للمواثيق التي تحفظ وتحمي حقوق الإنسان.. 
حين يُستدعى التاريخ للمقارنة، لا يكون الهدف تبرئة مجرم أو تلميع طاغية، بل توضيح لما وصل إليه الساسة من إنحدار أخلاقي في السياسة الدولية. المقارنة بين نماذج متباعدة زمنياً قد تكشف مفارقة مرعبة: كيف يمكن لدولة تتغنّى بالقيم والحرّيات أن تمارس بلطجة مقنّنة، وكيف يمكن لزعيم هُزم في التاريخ أنخلاقياً أن يظل في بعدٍ محدد، أسير قواعد الحرب النظامية، بينما ينفلت حاضر كامل من أي قيد أخلاقي.

هذه الكلمات لا تُعيد الإعتبار للنازية ولا تُبرّئ هتلر من جرائمه التي يدينها الضمير الإنساني؛ بل تُفكك صورة «العسكري» الملتزم بقواعد الصراع النظامي، في مقابل «البلطجي السياسي» الذي يوظّف الاقتصاد والعقوبات والابتزاز والاستيلاء القسري على مدّخرات الدول كسلاح حرب بلا إعلان، ويحوّل العالم إلى ساحة إكراه دائم.

أولاً: هتلر العسكري… بين الانضباط والجريمة"

لا جدال في أن النازية ارتكبت جرائم غير مسبوقة، وأن هتلر يتحمّل المسؤولية الأولى عنها. لكن المقاربة هنا تُضيء جانباً واحداً فقط: نمط إدارة الحرب النظامية.

جيش نظامي وعقيدة قتالية واضحة: ألمانيا النازية خاضت حروبها بجيوش مُعلنة، وخطط عسكرية تقليدية، ومن الانضباط الهرمي الصارم.

تحمّل الهزيمة: عندما انتهت الحرب، لم تُدار الهزيمة عبر ابتزاز اقتصادي عالمي أو مصادرة أموال دول بعيدة عن ساحة القتال؛ بل انتهى الصراع بسقوط عسكري مباشر.

موت القائد في ساحة مسؤولية: لم يهرب هتلر بثروات الشعوب، ولم يُحوّل مؤسسات العالم إلى أدوات ابتزاز؛ انتهى داخل حصاره، وهي نهاية تُقرأ عسكرياً لا أخلاقياً.

والتأكيد هنا ضروري: الانضباط العسكري لا يُكفّر عن الجريمة، ولا يجعل من النازية نموذجاً يُحتذى، لكنه يحدد الفارق بين حرب تُخاض بالسلاح والشرف وبين عدوان يُدار بالابتزاز والبلطجة وضرب المواثيق الدولية عرض الحائط .

ثانياً: تراMـــب… من السياسة إلى البلطجة المقنّنة"

في زمن  ترامب، لم تكن الولايات المتحدة في حالة حرب تقليدية، لكنها دشّنت نموذجاً أكثر فتكاً: حرب بلا مدافع، حرب بلا مواجه، حرب بلا خصم، حرب بدون قيم ولا أخلاق تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ضد عالم مستقر، ضد عالم تنادي فيه الأديان إلي المحبة والسلام. 
حرب إستخدم الاقتصاد كسلاح إكراه وعقوبات جماعية، وتجميد أصول، ومصادرة مدّخرات دول وشعوب تحت ذرائع سيناريوهات سياسية حمقاء . إبتزازات علنية  وإملاءات مباشرة على الحلفاء والخصوم على السواء: «ادفعوا… أو نُعاقب» وهناك تدويل للبلطجة: استخدام الدولار والمؤسسات المالية العالمية كأدوات قهر، بما ينسف فكرة العدالة الدولية.

هذا النموذج لا يعرف شرف المعركة ولا قواعد الاشتباك؛ هو عدوان بربطة عنق، تُدار فيه المجازر الاقتصادية عن بُعد، وتُصاغ المعاناة الإنسانية في جداول عقوبات.

ثالثاً: أمريكا في أسوأ لحظاتها الأخلاقية"

المفارقة الصادمة أن الولايات المتحدة الأمريكية التي ترفع شعارات الديمقراطية، قدّمت في هذه المرحلة سجلاً أَسودْ، 

مجازر غير مباشرة، وتجويع شعوب، وتدمير أنظمة صحية، وانهيار عملات، وكلها نتائج محسوبة للعقوبات.

وما ذاد من القهر الإنساني تلك الحصانة من المساءلة، لا محاكمات دولية، ولا اعتراف بالمسؤولية. بل تطبيع للقسوة، تحوّلت البلطجة إلى سياسة رسمية، والنهب إلى أداة سيادية.

بهذا المعنى، لم تعد المسألة مقارنة أشخاص، بل مقارنة نماذج: نموذج حرب يُدان تاريخياً لكنه كان مرئياً ومحدود الأدوات، ونموذج عدوان معاصر لا يُرى إلا في بطون الأطفال الخاوية وخرائط الفقر.

رابعاً: أيهما أخطر على العالم؟"

هتلر النازي هُزم لأن العالم تعرّف على خطره وواجهه. أما البلطجة المقنّنة فخطرها أنها: تتخفّى خلف القانون، وتستمر بلا نهاية زمنية، وتُمارس دون إعلان حرب. وهو ما يجعلها أشدّ تدميراً للنظام الدولي من أي دبابة. 

ختاماً" التاريخ لا يُقارن لتبرئة مجرم، بل لفضح إنحدار أخلاقي جديد. وإذا كان هتلر قد سقط كعدوٍّ معلن، فإن البلطجة السياسية الحديثة تُمارس بإسم النظام العالمي. وهنا تكمن المأساة: عالمٌ يُدين جرائم الماضي، بينما يصمت عن فظائع الحاضر لأنها تُرتكب بقرارات مُوقّعة لا بمدافع.

إن أخطر ما يواجه الإنسانية اليوم ليس طاغية، يصرخ، بل قوة تبتسم وتنهب، وتُسمّي البلطجة «سياسة».



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

اختر "الشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيرا عام 2025"!