كتب د/ محمد كامل الباز: جريمة في إيطاليا

الثلاثاء 26/08/2025

استيقظ الطليان على كارثة محققة، كارثة بكل المقاييس، حدث خرق لكل العادات وانقلاب على كل الموروثات، حيث شهد استاد دييغو أرماندو مارادونا في العام الماضي حدثًا لا يحدث كثيرًا، وهو فوز نابولي بالدوري الإيطالي للمرة الرابعة في تاريخه.

كيف سمحت السلطات بتلك المهزلة؟ وهل هناك رابطة أندية إيطالية كما هو الحال في كثير من البلاد المتقدمة رياضيًا؟ أم ترى الطليان ما زالوا متأخرين كرويًا؟ ألا ينظرون لبلادنا ليتعلموا كيف تكون كرة القدم؟ هل بطولة الدوري سهلة لكل من هب ودب يأخذها؟ أين لجنة المسابقات من ذلك الهراء؟

الأسبوع الأخير كان الصراع محتدمًا بين الإنتر ميلان ونابولي، والفارق نقطتان لنابولي، ليفوز نابولي على كالياري ويحصد لقب البطولة. اليوم نابولي وغدًا يأتي أودينيزي، وبعدها سامبدوريا وفيورنتينا، وتصبح البطولة حلمًا للجميع!!!

لماذا لا يتعلم القوم من بطولتنا المخلصة التي ترسم مسارًا يجب أن تحتذي به كل دوريات العالم؟ عندنا البطولة "تبيت" عند نادٍ واحد، يسهر الجميع على خدمته. من الممكن كل عشر سنوات أن تذهب مرة لفريق من المفترض أنه منافس (لزوم الحبكة)، لكن درع الدوري يعرف مكانه الأساسي ولا يحيد عنه. حدثت بعض الخروقات في الموسم الماضي، حيث حاول نادٍ ثالث الخروج عن مساره وقام بإبرام صفقات وتعاقدات، وحلم هو ومدربه وإدارته بهذا الدرع البعيد المنال، ولكن عندنا الحلم والتعب والجد وحده لا يكفي. سرعان ما استفاق هذا الأرعن الأهوج على تواجد الدرع في مكانه الطبيعي.

نعود لنابولي وما حدث فيها، وأتكلم بصراحة دون سخرية:
هل تُلعب كرة القدم من أجل إرضاء نادٍ ليكون البطل، أم تُلعب من أجل المنافسة الشريفة والعدل الذي يُطبق على الجميع؟ حلم كونتي حلم مشروع بفوز فريقه غير المسنود تحكيميًا أو إعلاميًا أو حكوميًا، فاجتهد وحصد ثمار هذا الاجتهاد. حدثت العام قبل الماضي عندما فعلها تشابي ألونسو مع باير ليفركوزن ليحقق موسمًا ذهبيًا بلا هزيمة محلية وهزيمة وحيدة من أتالانتا في نهائي الدوري الأوروبي. حدثت أيضًا مع ليستر سيتي وسط عمالقة البريميرليغ، واستطاع اقتناص الدوري الأقوى عالميًا.

في تلك البلاد لا تُلعب كرة القدم من أجل المعلنين أو رؤساء الأندية، لا تهتم الكرة بالمستثمرين أو الداعمين، بل تهتم بشيء واحد فقط: الجد والاجتهاد. نعم، استطاع نابولي تخطي يوفنتوس ذو الميزانية الأكبر دون أي تدخلات أو مجاملات. تفوق كونتي وأكمل موسمه دون عروض خارجية أو "كباري" جانبية. هناك تُلعب الكرة من أجل المتعة والمنافسة، يحميها العدل الذي يُطبق على الجميع.

هذا بالطبع ينعكس على أسعار تلك الدوريات وترتيبها في العالم. تشاهد اليوم نابولي، غدًا الإنتر ميلان، بعدها يعود يوفنتوس ويزاحم ميلان. في إسبانيا تجد برشلونة اليوم، وغدًا الريال، ومن بعده ينافس أتلتيكو مدريد. أما الدوري الإنجليزي فحدّث ولا حرج: فترة لليفربول، بعدها جاء أرسنال، ومن بعده مانشستر يونايتد، ثم تشيلسي، ثم السيتي، حتى عاد مؤخرًا ليفربول. تلك هي المنافسة التي تجذب العقول قبل القلوب. هناك تُلعب الرياضة وتُنفذ بكل أصولها.

أما ما يحدث عندنا فيُطلق عليه — إفكًا وكذبًا — كرة قدم. مسابقة منذ نشأتها حتى نهايتها يُستحوذ عليها نادٍ واحد بنسبة ٩٩٪، ويبدو أن تلك النسبة شائعة عندنا. مسابقة تشاهدها وكأنها فيلم تعرف أحداثه ونهايته، فيلم يتكرر كل عام بنفس الأحداث ونفس النهاية، مع تغيير بسيط في أدوار الممثلين المساعدين.

لهذا تحول معظم شبابنا من مشاهدة ما يُسمى عندنا كرة قدم، كي يستمتعوا بالكرة على أصولها ومتعة اللعبة المليئة بالزخم. قلما تجد شباب اليوم يعرف لاعبي الدوري المصري، في حين تجد نفس الشباب يحفظون أسماء لاعبي الأندية الأوروبية عن ظهر قلب. ستمر السنوات وستفقد تلك اللعبة شعبيتها في مصر، وسيعزف الجمهور عن متابعة منافسات معروف ومحدد نتيجتها مسبقًا (وصل الأمر يا مؤمن لتغيير نظام النقاط في الدوري كي يظل النادي الأوحد بطلًا كالمعتاد!!).

تفوق علينا الجميع وازدادت أسعار مسابقاتهم، بينما تحول الدوري المصري إلى سلعة لا تجد من يشتريها.

إن غياب العدل في أي مؤسسة كفيل بانهيارها، وفي كرة القدم عندنا لم يأتِ العدل من الأساس كي يغيب.

أتمنى الاقتداء بالمسابقات الأخرى وتغليب المصلحة العامة على أي مصلحة شخصية.
فطبيعي أن تتقدم الدول وتنمو بالمساواة، وتتأخر وتضمحل بالمجاملة والمحاباة.





إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

برأيك .. هل سينفذ اتفاق 10 اذار؟