عُمر الزهور .. بقلم: مناسك إبراهيم

الاربعاء 01/11/2023
ألقيتُ اليوم نظرةً على التاريخ الميلادي فأصابنِي الذهول حين علِّمت أنه قد تَبقى ثلاثة أشهرٍ وسبعة عشر يوم فقط لأكمِل عامِي العِشرين، يا الله! كَيف مضى العُمر دون أن أشعر بلا حِسٍ أو صوت؟ أو كيف أصبحتُ شابةً في العِشرين من العُمر وقد كُنت قبل يومين فقط طفلةً صغيرةً لم تَبلغ العَشر؟ هل ما أراه الآن حُلم أم أنّ الزمن حقًا قد مَضى وأخذ معه سِنين العُمر!
سِرتُ في دهاليز الذكريات حتى وقفتُ عندي وأنا طالبة في الصف السابع من المدرسة الأساسيةَ، أجلسُ على المقعدِ القريب من سبورة الفَصل، أتابِّعُ المُعلمةَ بتركيز واهتمام شديدين، لقد كانت تُحدِّثنا عن هذا العُمر، أقصد عمر الزهور الذي سأُودِعه بعد ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوم، يومها ترأت لِي خيالات عديدة، تخيلتُ نفسي وأنا فتاةٌ في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من العُمر، تخيلتُ أني سأُصبِّحُ فتاةً فارِعةَ الطولُ كشجرة الأبنوسِ الفتيَّة، سأكون فاتِنةً جميلةً مثل الحُورِ العِين التي أخبرتنا المعلمة عنّهنَّ، قلتُ لنفسِي أنني وبِمُجردِ بلوغي لعُمر الزهور سأرتدي أحدث صيحات المُوضةِ، من "تونِكاتٍ" و "اسكرتياتٍ" و"بلوزاتٍ" وقمصانٍ، وسأشمِّرُ ساعِدي وأضع الحِجابَ في وَسطِ رأسي وأخرج إلى العالم خُصلاتِ شَعرِي، وسأفعلُ كذا وكذا وأكون مِثل فُلانة وعِلانةَ.. وها أنا الآن وَصلتُ إلى ما كُنت أحلم بِه، سأخبركم شيئًا ولكن لا تَضحكوا عليَّ؛ فأنا الآن بالكَادِ أبلغ من الطول مئة وخمسين سَنتمترًا، ومُذ بلغت هذا العُمر ولم أرتدِي قطُّ ما فكرتُ في ارتدائه من قَبل، ولم أشمِّر السَاعد، ولا حتى أخرجت يومًا خُصلات من الشَعر!
أو تَعلمون لِما لم أفعل ما تَمنيتُ أن أفعله في هذا العُمر؟
لأنَّ تلك الطِفلةَ ذات الأحد عَشر عامًا كبّرت عقلًا أكثر مما كبرت عمرًا؛ علمتُ مذ بلغتُ السادسة عَشر أن عُمر الزهور ليس عمرًا "نَعيش فيه حياتنا" كما يقولون، بل هو عُمر نُعِّدُ فيه العَتاد ونُجهز فيه الزَادَ لنعيش هُناكَ.. في الآخرة لا في دُنيا الزوال، ثُم إن عُمر الزهور هو أكثر عُمر يفترض على الفتيات فيه الإلتزام بضوابِط الحِجاب الشرعي الكَامل لا العَكس؛ ففيه تَكون الفتاة في أكثر حالاتِها فِتنّةَ، وإن إلتزامها بضوابط الشرع في هكذا عُمر وهكذا عَصر يُعتبر جهادً عظيمًا تُؤجَرُ عليه، وقد كَتبتُ قبل ما يُقارِب العامَ ونِصف: الأحرى بِسنينِ ما قبلَ العشرينِ أن تَكونَ سِنينَ الإِنَجَازِ، لا أن تَكونَ سِنينًا يُفني المراءُ فِيها  وَقته، وجُهده، وعَواطِفه، في اللاشئ! 
عليكَ أن تَعلمَ أنها بِضعُ سنين؛ لِذلكَ خُذها بِقوةٍ، وأعلم أنَّ عليكَ أن تَكتشِفَ فيها ذاتكَ، ومَاهِيةَ أصلكَ، واتِجاهِ شغفكَ. أن تَبدأ فِي تَنفيذِ تلكَ الخُططِ التي دَونتَها منذ أعوام، وأن تَكون هي شُغلكَ الشاغل، ثُمَ تستَحوذ على جُلِ فِكركَ -وذاكَ إنْ لم يكن كُله-، ثُمَ دعكَ مِن سفائفِ الأًمورِ، وتَفاهاتِ المُجتَمعِ، ولا تَسِر فِي طريقٍ فقط لأنك رأيتَ أكثرَ الناسِ تسيرُ فيه، فويحكَ إن زللتْ وتَبعتَ الرَكب، فتَسيرُ كما سارتِ النِعاجُ، إذا مالوا يِمينًا مِلتْ، وإذا مَالوا يَسارًا فعلت كما فعلوا.
يَا رَفيق -والمقصود هنا كاتِبة السطور-، أمَا آنَ لكَ أن تبدأ الجِدَ، وتَسعى إلى الحُلمِ، وتتركَ عنكَ عِجافَ الأماني؟! الآن، الآن.. ابدأ خَطوكَ، ولا تدَّع خطواتِكَ العرجاءَ تمنعكَ، وحتى إنْ إجترحتَ من المَصاعبِ ما جْترحتَ، ولو ثَقُلَ صدرُكَ.. سِر إلى الحُلم؛ فَغدًا سترى تلكِ الفِكرةِ التي أفنيتَ سِنينكَ الخوالي فيها، قد سَطعتْ إلى النورِ، وأصبحتْ سِراجًا يهتدي به المُتلاطِمونَ في ظلامِ التَشتُت. وكُلما هَمستْ لكَ نفسكَ بأنْ تَحِيدَ تذكر قولَ أستاذِنا قُصي: "أمّا مِيوعةُ السَّيرِ، وتَفاهَةُ القَصدِ، ورِياءُ العَملِ، وفراغُ الوقتِ...فليستْ لكَ"
ثُمَ إنكَ تَبني أُمةً، قبلَ أن تَبي فَردًا! واختر خِليلًا لكَ، يُؤنسُ في وحشةِ الطريق، ويكون لكَ رداءً مِن بنات الدهر. فإنْ لم يَكُن لكَ، فسِر فردًا، و أبدا عَملًا، وأغرس أملًا، ومَهد الطَريقَ لجيلٍ يَعقبكَ.


وهكذا حاولت بِقدرِ الإمكان أن أُنَفِذ ما كَتبتُ وأن أُتبِّعَ القولَ بالفِعل، فالحمدُللهِ لبستُ الحِجاب (النِقاب) وأنا ابنة السابعة عَشر، ونَفذتُ خُططًا كُنتُ من قبلُ خططتُ أن أنفذها في العَشر سنين القادمة. وقد رأيتُ نُور الفكرة التي كُنت أحلم بها يَشِّع ويُضيء الطَريق لعددٍ من الذينَ دخلوا نَفقَ الحُلم، أراه في هيئةِ مشروعٍ بدأته منذ العام السابِق ولا زَال مُستمرًا -بعونِ الله- حتى اليَوم.
فَيا حبيبة القَلب، عليكِ أن تعلمي أنّ عُمر الزهور ليس عمرًا للهو وإنّما هو عُمر لتحقيق الحُلم، وتَمكين النَفس لتُمَّكِنَ فيما بَعدُ الغَير، وخُذيها منِّي، إن لم تَعملي اليوم فستتعبينَ كثيرًا في الغَد، وكَما قِيل:( لا تؤجِل عمل اليوم إلى الغَد!).
حاولي بِنّاء نَفسكِ لتبني في المُستقبل بيتكِ وتربِّي على طَاعةِ الله أطفالكِ وتكونِي لهم قدوةً صالحة لا أُمًا طَالِحةَ! تَعلمِي كيف تَقفينَ على ثَغرِ التربيةِ والبناء، وجاهِدي، ثم جاهِدي لتكونِي كما تتمنينَ بعد عشر أعوام، وصدقيني يكفيكِ أنكِ التزمتي في زَمنٍ أصبح من الصعب فيه الالتزام، وسِرتِ في الطَريق وقد مَالَ عنه كثيرٌ من الذين كُنّا نَحسبهم أخيار!



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

هل تعتقد أن هناك احتياجات غير ملباة للجالية العربية في أمريكا؟