الجمالية المدركة عند العرب ... بقلم : الأستاذة روزان رفيق أحمد

يعد الفن خبرة ومهارة شخصية للإنسان, وهو العمل الجمالي الذي يحرك المشاعر, ويبعث أحاسيس الفرح والبهجة والسرور في نفوس الناس, ويشكل باعثا من بواعث قيم الحياة فــي تــطابقها وانسجامها الــداخلي وتناسبها وتوافقها الجمالي؛ وذلك من خلال تنشيط وإنماء الإدراك الحسي بــتـــذوقها الفاعـــليّة الجماليّة في هذه الحياة, التي تزعم وتتظاهر للفنان على أنها أنبل من تخيلها الطبيعي المرئي, مــن حـيـث كونها تنضمُ وتجتمع بعاطفته الرفيعة وعزيمته لنيل الطموح, وعقله العبقري لقيمة الإدراك بالجمال, وفـي تصور وتجسيد ماهية الجميل, وفي تفريقه من غير الجميل.


لقد اتخذت ظاهرة الجمال في الفكر العربي مغزى تجريبياً في استنتاجاتهم للأذواق الحسية, وهي النظرة السائدة في تقويم المنظور العربي القديم لمعنـى الجمال, وقـدمها بتدرج بهم إلى عصر ما قــبل الإســلام, و اقتصر مفهوم الجمال عند العرب قبل الإسلام على الأشياء الماديــة المحسوسة والتي تُــرى بالعين المجردة مثل جمال المرأة, والفرس, والبعير, والأطلال, وقـد كانوا يُـعبّــرون عن هــذا الجمال من خلال نظم قــصائد الشعر المختـلفة والتي تعـبر عـن الحــبّ، والشوق، والحنين، واللوعـة، واللهفــة على المحـبوب, أمّـا بــعـد الإسلام فلم يعد الجمال يقتصر على المظهر الخـارجـي فـحسب، بـل أصبح قائماً أيضاً عـلى الاهتمام بالنـفـس والخُلق، فهو جمال الروح وجمال الشكل.

وبما أنَّ الجمال أحد عناصر الحياة, إنْ لم نقُلْ هو الحـياة نفسها, فــإنَّ الاهـتمام بهِ فـاق التصور والخـيــال, دون إدراك أيّةِ صفة لمعنى الجمال, بحسب ما تريده النظرية القائمـة على الدعائم التي بإمكانها أنْ تــسُــنَّ سُبُل تسديد الظاهرة إلى مصطلح فـكري متكامل النظرة, إلّا أنَّ هـذا لا يـمنع من الاحتـمال ــ وهـو افــتراض وارد ــ على أنَّ العرب قديماً عـرفوا مظاهر الجـمال, وهــو ما نلمحهُ فـي صـورهـم التعبيرية التــي وقـعــت بصماتها في نـفوس البشرية لاحقاً باختراقـها الحـدود الإقـليمية, ودخـولها فــي فضاءات العوالـم الإنسانيـة, من حيث كونها نابعة من مواطن إحساسات تجربتهم الحارة, وتلعـب الحواس دورا هـاما فــي إدراك الجمال، لأن اللذة الإنسانية التـي تشكل غاية لــه، تكتسي طابعا مباشرا، ولا تقوم على أي أساس عقلي، بـل يــشكــل الذوق أساسها الوحيد. وقد نذهب بعيدا في عـلاقة العـربي بالـقيم الجمالية إلى الاعتقـــاد الراسخ أن البـنـيـة الذهنية على المستوى الفكري مرتبطة بالأســاس على الصورة الخارجية, بما تحمله مـن اعتقادات خرافـيـة بدائية, التي خاطبت مشاعرهم ودعتهم في بعض المواقــف إلى الـتأمل, والتحـرر من كل الشوائب, ونـتيجة لذلك فإنّ دياناتهم القديمة قــبل مجيء الإسلام كانت تحمل بعض البذور الفكرية التي تطبعها ظاهرة الصورة الجمالية على حد ما جاء به أحــد الفلاسفة من أنَّ: الفلسفة تنشأ دائما في أحضان الدين أو على أثـر الإيمان بالدين . لذا فقد كان الدين عاملا مهما في إدخال الأفكار الملائمة للـشعور والجمال إلى عــقول الناس, حـتى أصبح هناك تداخل بين النظرة الكونية الدينية والنظرة الكونية الفلسفية التي تلتقي في صميم خبرتها العادية بالتذوق للأعمال الفنية, والانفعال لبعض المؤثرات الجمالية, ومــن ثم فإن ربط المعتقد بــفكرة الجمال مـــن صميم النشاط الروحي للموجود البشـري فــي تذوقــه للمحسوسات والقيم الروحية, على حــد ما نجده عــند العربي في اعتقاده بالأساطير الدينية والخرافات السحرية التي كانت في بداية الأمر نوعا من التفكير العميق عند منشئيها؛ لأنها مزجت بين النظر العقلـي والإيمان الديني, وأكثر من ذلك فإن الأسطورة عمادها التــأمل

في نظام الكون؛ لأنها تنبع من عقل الإنسان في التساؤل, في وقت ما, عن وجوده, ومن حوله, وما يحيــط به من صور الكون, وكيفية نشأته, إلـى غــير ذلك من التساؤلات التـي شغلت باله, وكانت سببا فــي خلــق البذرة الأولى من البناء الذهني, أو إحدى مراحل التفكير الفلسفي, وذلك في البحث عن مصدر الأشياء على ما هي عليه والتي ربطهـا في تصوره بــقوى غيبية, عليه أن يــندمج معها, وجوديا, فــتحكمت في توازنـه النفسي والذوقي .

من هنا نخرج بالقول أنّ لكل أمة من الأمم خصائص تفكير هـو انعـكاس لواقــعـها المتـطـور, بـل هــي وثــيـقـة الصلة بـمجموعة الأفــكار التي يــتكون منها المناخ الثــقافي, لذلك من غير المعــقول أن نتصور العرب فـي سذاجة الشعوب البدائية من حيث المستوى الفكري. على وجه الخصوص . وذلك أمر يتناقض مع ما وصلوا إليه من حضارة, وما عرف عنهم من أديان, ومن آثار أدبية تمثلت في الشعر والحكمة.

من هذا كله نستطيع ألا نستبعد أن يكون هناك نوع من مستوى التفكير, نتيجة تـأملهم لمظاهر الكون في جماله, واكتمال صوره وما يحيط بهم, بــوصفه خبرة فنية بشــرية تجريبية خاضعة لتنوع الأذواق والتعجب الذي من شأنه أن يثير التساؤل لمدركات وجود بهذه الصورة أو تلك, وذلك بدافع تشخيص الأشيـاء, رغــبة في ربط الصورة الانفعالية بالرؤية الجمالية لجوهر الحياة.

كما نستطيع ألا نستبعد أن يكون هناك حضور جمالي صرف عنـد نخبة ممتازة من العرب في ثقافتهم التي اكتسبوها على سبيل التجربة لا عن طريق التعلم أو نظرية مؤسسة, لاسيما فيما جاءت بــه العرب مـن حكـم مضارعة لحكم الفلاسفة .


**********
********

حمل الآن تطبيق الجالية العربية في أمريكا
واستمتع بالعديد من الخدمات المجانية ... منها :
* الانتساب إلى نادي الزواج العربي الأمريكي
* الحصول على استشارة قانونية مجانية حول الهجرة واللجوء إلى أمريكا .
* الاطلاع على فرص العمل في أمريكا
* تقديم طلب مساعدة مادية أو خدمية

لتحميل التطبيق من متجر Google Play لجميع أجهزة الأندرويد

لتحميل التطبيق من متجر App Store لجميع أجهزة أبل



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهو سبب كثرة حوادث اطلاق النار في أمريكا ؟