كتب الدكتور نسيم الخوري / لبنان : عرب ومسلمون فوق وادي السيليكون؟

ملاحظتان استهلاليتان :

1- أقيم أوّل معرض دولي في لندن عام 1851. حضره نابليون الثالث إمبراطور فرنسا وأعجبته الفكرة. أمر بإنجازالمعرض العالمي الأوّل الذي افتتح في باريس عام 1855 وزاره 5260000 من بينهم السلطان العثماني عبد العزيز الأوّل الذي دُعي لحضوره وأبدى رغبته في الحضور، لكنّ علماء المسلمين رفضوا رفضاَ قاطعاً حضوره لمحاذير إسلاميّة، وقد كانوا تاريخيّاً في أساس تدهور الدولة، ولأنّ السلطان أصرّ وهو ميّال لفن الموسيقى، فقد أصدروا له فتوى باعتبار فرنسا ولاية تركية، فسافر إلى باريس.

2- بعد 166 سنة، وافق المكتب الدولي للمعارض، خلال انعقاد جمعيته العامة في باريس يوم 27 نوفمبر 2013، بفوز مدينة دبي بحق استضافة إكسبو 2020. التي تستضيف أجنحة الدول المشاركة والبالغ عددها أكثر من 190 في العالم. ورايتم كيف رفع الحبر العربي والإسلامي والعالمي قبّعته، أمام الصور الحضارية المتنوّعة الرائعة التي طرّزتها دبي وحنّتها وزفّتها طرحة إبداع متألّقة فوق وجه العالم المُشارك والحاضر معرضها البديع الذي افتتح في 30 اكتوبر المنصرم. صحيح أنّ وسائل الإعلام العالمية ووالتواصل الإجتماعي توقّفت ربّما منذ فترة مختنقة بالمقاربات والتعليقات البشرية التي حاولت الإرتفاع الى مصاف اللحظة الخليجية كما قرأت، لكنّ معظمها...أخفق..


وبعد..

ليس معقولاً أن يستمرّ كاتب عربي طارحاً نصوصاً ل "اللايك" والتعليقات السريعة أكثر منه للقراءة أو للمناقشة والتأثير في جمود بعض أوطاننا وحكّامنا ومسؤولينا وفي إطر من العقلانيّة ورصف الحجج والبراهين. اللهاث خلف المستقبل يفترض الريادة وشجاعة الفهم والوعي والعمران. لم يركن حبر العرب الراهن إلى أية ضفّةٍ مستقرّة من المغرب والجزائر إلى تونس ومصر وليبيا واليمن والعراق وسوريا وخصوصاً لبنان. نقفز من وطنٍ لآخر بنصّوص بائرة لا توازي إختناق سمكة قبل لفظ روحها بالدعوة لحريّة الأقلام والأوطان وقد أجهضت شعوبها بمعارك الأديان والمذاهب والإرهاب.

تُراكم النصوص العربيّة والإسلامية تراثاً في مقولات التغيير والتطوّر وإمكانيات التخطّي والتجاوز. هذا وضع كارثي أن تصبح الكتابة العربية تراكماً بليداً وتجدّد أزمات وتشظيّات

وافتراق. ليس سهلاً، تدوين مدى العجز والقهر والمكابدة لدى المفكّرين والكتّاب وأساتذة الجامعات العرب، توصيفاً لعالمهم المُثقل المتردّد بين مآسي الحاضر وملامح المستقبل. قد يُدمي حبرنا اللبناني واللبنانيون مثلاً ضيق العرب في الخليج وبعادهم ومللهم لحالنا، بعدما كانوا مثل أكوام النحل التي تُغادر قفرانها نحوه.

لست أبحث في الكتابة المتكرّرة المقتضبة، إذن، إلا عن بؤس نصفنا فوق مواقد "الثورات" حيث رماد الكلام والأحزان. لنقل بكلمتين. لقد رُمينا شعوباً وقبائل بين أصابع الدول الكبرى تقرقعها بمصالحها من مختلف الجهات الأربع وتمشي أمامنا وصدّقنا أننا فاعلون في الحضارة، وانقسمنا أبداً بين شرق وغرب وشمالٍ وجنوب مع أنّ ملامحهما غابت فوق الخرائط الجديدة. وبقينا اشتعالاً بين دين ودين وطائفة وطائفة ومذهب ومذهب وخلطنا عرباً بعربٍ ومذهباً بمذهب وتعصّب بتعصّب توحّدهم مياه المتوسّط هاربين حفاة عراة بقوارب من بعض أنظمتهم ورجال دينهم وتواريخهم نحو الشمال حيث تصدير الرعب وتجديده هناك من المعضلة الإرهابية المشتعلة في رؤوس الدول والشعوب التي تُقلقها تداعيات الهجرة في أوروبا والعالم.

تلك هي الصورة البانورامية الكارية في مشرق العرب ومغربهم، لكنها بفصاحة مطلقة تغيب، نعم تغيب، ولا يمكن معاينة آثارها في الخليج تُقدّم صوراً منخرطة في الحضارات والمخترعات ومواكبة الطاقات البشرية والبرامج المستحدثة بكثير من خفر التواضع الجمّ والصامت. متى تخرج قيادات بعض هذا الشرق العربي بحلله المتنوعة وغناه الأرضي والسماوي، نحو دول العالم وتخومها فتتخلّص من تلك الصيغ والأفكار الغابرة العثمانية التي شهدتها تواريخها الموصومة بالوصايات التي ما زال البعض يلقنها في المدارس؟

ألسنا نرى شعوبنا في بيوتهم يستغرقون في الأفلام التركية التي تتجاوز فرنسا وأوروبا والعالم بمظاهر الحريّات وخصوصاً حريّة المرأة، ونوّاب لبنان يهزأون من كوتا تفتح المشاركة والتشريع في الحياة السياسية. أين صار لبنان؟

إن استيلاد التجارب الفرنسية والإنكليزية والعثمانية الغابرة التي حكمت بلادنا أربعة قرون ومثلها التجربة الأميركية التي اختصرها بايدن من سماء أفغانستان باستحالة التغيير وتصدير الديمقراطيات والحريات بالقوة هي دمغة العلاقات الدولية التي لا يمكن إهمالها في قراءات المستقبل ومتطلباته لأجيال كونية نحن في صلبها سواء أقمنا في الشرق أو في الغرب. ليس من ينخرط في العصر عنّا؟

لربما يبقى الواقع فاعلاً متدرّجاً بلباس العروبة العادلة العقلانية بمعانيها ومراميها واصفين أو ناقلين أو مترجمين كوارثنا بالإلحاح على الانتماء إلى مجتمعاتنا وأوطاننا في إطار من الإنخراط بالتجارب النهضوية المتواترة التي سبقتنا وجعلت غيرنا يلمس الغرب والشرق من حولنا بخوض التجارب التي أوصلتهم إلى المرّيخ ثم تطوّع أصابع العالم العشر لتقول نعم للتطور والتغيير .

تراجعت قيمة التاريخ الفردي والوطني بعدما صار التاريخ كونياً ومثله الثقافات التي تهزأ من التشاوف والافتخار والانتفاخ والتورّم الكتابي الاجتراري بماضٍ قد يقسّم الوطن الواحد ويبعثر الأفكار والإبداع بين الماضي المستقبل ويورث معضلات عسيرة بين "ديانات" الآباء والأجداد الفكرية و"ديانات" الشابات والشباب والأبناء والأحفاد.

إنّ الإقرار العلمي بالإختلافات والإفتراقات بين العرب قائم ولو بدا مستحيلاً في التفكير والتعبير. هو الواقع المرّ كي لا تستمرّ الكتابة تموجاً بين حبرين: واحد يسيل خلف الدماء والخرائب يغطّيها ويذكّيها سعيداً، وآخر يحمل مياه المتوسط لإطفاء الأحزان والأحقاد السياسيّة والمذهبيّة الدفينة. للحبر أن يتخلّص من مشقّة الكتابة بين عرب وعرب أو بين غرب وشرق أو بين مسلمٍ وآخر ومسيحي وآخر في عصر

الكوكبة وانفتاح الآفاق.ليس للأوطان والأنظمة المتعثرة بقدميها سوى اللحاق بالعصر في مساحات الأرض الفضاء.

ليتني أقرأ عصارات "البيغ داتا" الخاصة بمعرض دبي التي صبّتها البشرية في وادي السيليكون



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ما رأيك بأداء الرئيس الأمريكي جو بايدن في عام 2021 ؟