سورية ووالدي وأنا ... بقلم المهندس باسل قس نصر الله مستشار مفتي سورية

الثلاثاء 20/10/2020
"هل أنت ابنه؟"
هذا هو السؤال.

كان السبب أن والدي "إميل" كان أحد الأشخاص الذين أسسوا "الجمعية الخيرية الكاثوليكية" في مدينة اللاذقية السورية، وكان المؤسسون يحملون كلهم - بالصدفة - اسم "إميل" وهم إضافة لوالدي، من عائلات "شيبوب، وصوايا، وجنبرت" رحمهم الله.



وفي ذكراها "٦٦" قررت "الجمعية" أن يضع الأبناء صور آبائهم المؤسسين على حائط مقرّها الصغير بمساحته، والكبير بعمله الخيري، وأعلَنت ذلك على صفحتها في وسائل التواصل، وقرأتُ المنشور وعلّقتُ عليه "أنا أفتخر بأني ابن ذلك الأب".

وأتصلوا مع أبناء المؤسسين، ونظراً أن أهلي تركوا اللاذقية فلم يتوصّلوا إلى معرفتنا، وعندما قرأوا التعليق، جاءني السؤال السابق.

اتصل بي رئيس الجمعية "المحامي حنا نصّار" وأصرّ أن آتي لوضع صورة أبي.

وتابعني "حنا" بكل نشاط وحماس. وفي إحدى المرّات مازحته فكتبتُ له "عليك دعوتي على فنجاني قهوة في اللاذقية" فأجابني "من عيوووني، وأحلى فنجان قهوة، وأحلى فرخ سمك".

سافرتُ إلى اللاذقية، ورفعتُ صورة والدي في مقر الجمعية الواقع في "مطرانية الروم الكاثوليك"، وتكلمتُ من ذكرياتي وأنا ولد صغير، فقلتُ:

"لم تكن هناك كنيسة، فاستأجروا الطابق الأرضي من البناء الذي نقطنه والذي هو ملك للدكتور "مختار علواني" رحمه الله، المسلم عقيدةً والإنساني توجهاً.

وكان المصلّون بعد "قداس يوم الأحد" يصعدون إلى بيتنا لشرب القهوة، وكانت "الصبابا" يساعدنَ والدتي بعمل القهوة وتقديمها، وبعد انصرافهم ونظراً لعدم وجود أخوات لي، كنتُ اضع "كرسي حمام" أمام المجلى وأقوم بغسيل الفناجين"

يا لها من أيام جميلة، مليئة بالمحبة والتآخي، لقد تعلمتُ أول درس في المحبة الإسلامية المسيحية من خلال د. علواني ووالدي إميل، لم يؤسسوا لندوات ولا لمحاضرات حول العلاقات الدينية، بل قام الدكتور "مختار علواني" المسلم باستضافة كنيسة مسيحية لأن جاره "إميل" المسيحي طلبَ منه ذلك.

لم يخْلف "حنا" وعده لي، فكانت فناجين القهوة والدعوة على "أحلى غداء"، ومرافقتي في زياراتي الى المرجعيات الدينية المسيحية والاسلامية.

كنّا نزور الجميع ومعي صديقي من أيام خدمتي العسكرية "غسان ابراهيم" وهو من الطائفة العلوية، وكان "حنا" هو اللولب والمحرّك، ويعرف الجميع.

عدتُ إلى حلب، وبعد أيام جاءني الخبر الصاعق، أن "حنا" ومعه كاهن دير اللاتين في اللاذقية "شادي بدر"، قد توفوا بحادث سيرٍ، وضجت بهذه الأخبار كل اللاذقية.

فقط منذ أيام، كنا سويّة، لا بل أصريت أن أزوره في بيته لأشكر والدته - وهو وحيدها - على هذه التربية التي ربته عليها، فقال لي مازحاً: "فقط لا تفتح سيرة الزواج - وهو العازب - لأنها تريد أن تزوجني"

اتصل بي أحد المشايخ "السنّة" الذين زرناهم، وسألني: "أليس حنا المتوفى هو نفسه الذي زارنا معك؟" واجبته بغصةٍ، "نعم"، فقام هذا الشيخ السنّي مع صديقي العلوي بتقديم العزاء من أجل حنا المسيحي وفي الدير المسيحي.

هذه هي أخلاقنا، وتربيتنا، وحضارتنا.

بعد سنواتٍ من حربٍ ذات لباس ديني، حاولوا بها التفريق، والتكفير، والتقسيم الطائفي، ولم يستطيعوا.

جموع غفيرة من كل الطوائف والملل قدِموا للعزاء، بشخصٍّ تجاوز الطائفية، وبنى الجسور.

نم قرير العين "أيها الأب "شادي بدر"، وايها الصديق "حنا".

اللهم اشهد أني بلّغت



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟