كتب فؤاد الغرباوي / إيران : كورونا... هل هو تكرار لمأساة الإنفلونزا الإسبانية؟

منذ الـ12 من كانون الأول (ديسمبر) 2019 والعالم يعيش في حالة من الرعب والهلع المتزايد نتيجة تفشي فيروس Covid-19 أو ما بات يعرف اليوم عالميًا بفيروس كورونا المستجد الذي حصد حتى هذه اللحظة حياة عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما فاقت الإصابات به الـ نصف مليون شخص حول العالم.

فيروس كورونا الذي بدأ من الصين وبالتحديد من منطقة ووهان مركز مقاطعة هوبي يصنفه الخبراء على أنه أقل فتكًا من أوبئة وأمراض أخرى داهمت العالم من قبل مثل سارس وإيبولا وإنفلونزا الطيور و أن خطورته تكمن فقط في سرعة إنتشاره وتأثيره على كبار السن وممن هم يعانون من أمراض مزمنة مثل الربو أو داء السكري أو أمراض القلب.

ورغم تطمينات الخبراء فإن الخوف والرعب ما يزالان مسيطران على العالم بأسره، فاليوم لا حديث للناس إلا عن كورونا وآلتها الحاصدة التي فتكت بالكثير من الأشخاص في عدد كبير من دول العالم، فلا يمر يوم إلا ونسمع فيه عن المئات الذين يتوفون نتيجة إصابتهم بهذا العدو الخفي الذي جال الكرة الأرضية كلها فيما يقع آلاف آخرون في مصيدته الملقية بشباكها في كل مكان.

وقد دعا هذا الأمر منظمة الصحة العالمية إلى تصنيف وباء كورونا على أنه جائحة عالمية إجتاحت العالم من أقصاه إلى أقصاه، متسببة بخسائر هائلة في الأرواح والأموال، فتأثير هذا الوباء لم يقتصر على سلب حياة الناس وحسب، بل شمل كل نواحي الحياة وقطاعاتها على كوكب الأرض، فتسبب بخسائر إقتصادية ضخمة سيحتاج العالم إلى وقت طويل ليتمكن من تعوضيها.



على مر التأريخ تعرض العالم لموجات من الأمراض والأوبئة الفتاكة التي أدت إلى موت الملايين من البشر جراء سرعة إنتشارها وعجز العالم عن إيجاد علاج سريع وفعال، لإستخدامه كسلاح في مواجهة آلة القتل الجماعي التي نتجت عن تلك الأمراض.

ومن الأمراض والأوبئة التي وجد الجنس البشري نفسه في مواجهتها في مراحل مختلفة من تأريخه، طاعون عمواس الذي إنتشر في قرية عمواس التي تقع بين مدينتي القدس والرملة في فلسطين في السنة الثامنة عشرة للهجرة حيث إنتشر سريعًا في بلاد الشام وتسبب بمقتل 25 ألف إنسان، وطاعون الموت الأسود الذي إجتاح أنحاء أوربا بين عامي 1347 و 1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة العجوز، وكذلك الإنفلونزا الإسبانية التي إعتبرت أشد فتكًا والتي إنتشرت عام 1918 في أعقاب الحرب العالمية الأولى في أوربا والعالم وراح ضحيتها الملايين من الناس.

لقد أعادت السرعة المهولة لإنتشار فيروس كورونا المستجد إلى الأذهان حادثة جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي كان السبب في ظهورها نوع خبيث ومدمر من الإنفلونزا من نوع H1N1.

وتميز فيروس الإنفلونزا الإسبانية بسرعة العدوى والإنتشار حيث تقدر إحصائيات أجريت حديثًا أن عدد من أصيبوا بهذا الوباء وصل إلى 500 مليون شخص فيما توفي 50 إلى 100 مليون إنسان جراء إصابتهم بهذا المرض أي ما يعادل ضعف من فقدوا حياتهم أثناء نشوب الحرب العالمية الأولى.

إن كورونا الذي يعجز العالم حتى هذه اللحظة عن إيجاد لقاح له رغم الجهود المضنية التي يبذلها الخبراء والعلماء حول العالم في عملية سباق مع الزمن لإيجاد العلاج المنتظر، إستطاع النفوذ إلى أكثر من 170 بلداً وتحطيمها إقتصاديًا وصحيًا، متسببًا بالحجر على مليارات البشر في العالم، حيث وجدت دول عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول نفسها عاجزة عن الوقوف بوجه هذا العدو الذي تعجز العين المجردة عن إدراكه ورؤيته.

وإذا ما إستمر هذا العدو في إنتشاره المخيف فإننا لا نستبعد أن تتكرر حادثة الإنفلونزا الإسبانية في ظل حالة اللامبالاة وعدم الإكتراث التي يقابل بها الناس المناشدات التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية وحكومات العالم بضرورة إلتزام البقاء في المنازل و عدم مغادرتها إلا في حال الضرورة القصوى، وهو الأمر الذي أجبر الكثير من بلدان العالم على إعلان حالة الطوارئ التي مكنت السلطات في تلك البلدان من منع التجول وإغلاق مدن بأكملها سعيًا منها لإحتواء المرض الذي أصبح يشكل تهديدًا جديًا وقاسيًا للجنس البشري على هذه الأرض.

إن الحل الوحيد لمواجهة آفة كورونا الشرسة في ظل عدم توصل كبريات المراكز البحثية لعلاج له، هو إلتزام الناس بالإرشادات الصحية، والتخلي عن عادات الإستهتار واللامبالاة بالمرض الذي أثبت لنا جميعًا مدى جديته وعزمه على إلحاق أكبر ضرر بنا نحن بني البشر وبإقتصاديات عالمنا الذي خسر وما يزال يخسر الكثير من موارده المالية والصحية.

فبقاء الناس في منازلهم في هذه المرحلة العصيبة أمر لا بد منه وضرورة حتمية لإعطاء السلطات الصحية في العالم الفرصة لمواجهة الفيروس القاتل والتغلب عليه، ولنعلم جميعًا أن إستمرارنا بالتجوال والتسوق والزيارات العائلية واقامة الحفلات، كلها أمور لن تزيد الوضع إلا تعقيدًا وتأزمًا وأن إستمرارها سيجعلنا في مواجهة وضع صعب وصعب للغاية قد لا نتمكن من التغلب عليه أبدًا.

وبالتالي فإن عودة الحياة إلى طبيعتها في هذا العالم ستظل متوقفة على مدى إلتزامنا بالإرشادات والتوصيات الصحية، فكلما كان إلتزامنا سريعًا، كانت مسألة إحتواءنا للمرض والقضاء عليه سهلة وسريعة، أما إذا تأخرنا في الإلتزام فإن النتيجة هي مزيد من الإنتشار وربما حصد الملايين من الأرواح وفي ذلك تكرار لجائحة الإنفلونزا الإسبانية أو كارثة أكبر وأكثر عظمًا منها.. والعاقل من يدرك الصواب صوابًا فيَّتْبعه وما أكثر المجانين اليوم في عالمنا..!!



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟