كتب الدكتور نسيم الخوري : لا تسأل أحداً بعد اليوم! أصمت وأدفن نفسك ع "الليبرا" في وادي السيليكون الأميركي

بدأت الإهتمام بالثورة الرقمية مع طلابي في الجامعة في التسعينيات. وفهمت أنّ الطريق الظاهر الذي يُعبّد نحو العصر الرقمي مزروع بأكثر من جواب وصراع على:

من له الحق بالإطّلاع على الحقائق الجديدة في هذا العالم حول الأفراد؟

ومن له الحق بالقرار وسلطة القرار؟

ومن له الحق بفرض هذه السلطة على العالم ؟

ألفت إلى ظاهرتين قبل الإجابة:

1- قبض عملاق التواصل الإجتماعي "مارك زوكربيرغ" ومخترع الفيسبوك على إنتباه الدنيا إذ أعلن على صفحته الخاصّة (17/6/2019) ، عن إطلاق عملة رقميّة جديدة في العام 2020 أسماها ليبرا Libra. ترتكز الفكرة إلى بنية ماليّة عالمية تسمح لمليارات البشر من الدفع بإستخدام العملة الرقميّة الجديدة التي ستبدأ بمشاركة 27 مؤسّسة كبرى حول العالم. الهدف أو الفكرة الأوّلية لصديقي مارك، هي في إتاحة الفرصة لمن ليس لديهم حسابات في المصارف ويخشون نقل العملات في تحرّكاتهم ، لأن يتمكّنوا من شراء حاجياتهم بالنقر على تطبيقات الفايسبوك والواتس آب وإنستغرام في أجهزة الخليوي التي يحملونها، وقد صارت بالنسبة إليهم حاجة خامسة اليوم مثل الأكل والشرب والنوم والجنس، وبهذا فهم ينخرطون مثل غيرهم في حركة تيسير الأسواق في العالم.



فوراً قفزت ليبرا بي إلى ناحيتين أوّلهما لغويّة بحثاً عن لسان العرب العاميّ إذ نستعمل كلمة "ليبرا" أو"ليبرة" تدليلاً على الدٌّقة الشديدة والعدالة والمساواة بين كفّتي الميزان وثانيهما نحو العراق مهد الخوارزميات Logarithmes عنوان العصر الرقمي الحالي الذي أسّسه ودمغه بإسمه العالم العربي أبوعبدالله الخوارزمي في الجغرافيا والرياضيات والفلك وأنجز أبحاثه بين 813 و833 م في دار الحكمة التي أسّسها المأمون في بغداد. رسم الخوارزمي أوّل خارطة للأرض بمساعدة سبعين جغرافيّاً.

2- إنصبّ الإنتباه العالمي على إعلان الحرب التي شنّها الرئيس الإميركي دونالد ترامب على شركة هواوي وشركات الإتصالات الصينية والعقوبات التي اتخذها بحقها في اميركا وسعيه لفرضها على حلفائه في اوروبا. تبع ذلك إجراءات قاسية من قبل شركات اميركية عملاقة مثل غوغل وفايسبوك ليتساءل العالم إن كان وراء هذه العقوبات بداية لحرب إقتصادية وسياسية علنية بين الصين والولايات المتحدة أعقبها إعترافات بأنّها حرب خاسرة أوأنّ الصين قد خرجت نحو العصر الرقمي ولن يَعُد بمقدور العالم اللحاق بالتقدّم التكنولوجي الذي حقّقته.

3- في محاولات الإجابة:

تفرض رأسمالية المراقبة معايير جديدة وتطبيقات تحدّد تاريخ الدولة الرأسمالية بل تاريخ الديمقراطيات الحرّة، وهي تستخدم الإطار الأخلاقي والسياسي لمجتمع القرن ال21 والقيم التي تفرزها حضار ة الإعلام. إخترعت رأسمالية الرقابة كردّ فعلٍ على إنفجار فقّاعة الإنترنت في عصر كان همّ مجتمع "غوغل" تنمية موارده عبر إستثمار محيطات المعلومات و"الداتا" غير المستعملة. أثلام وحقول مزروعة بالكثير من المعلومات المكدّسة التي حان زمن تحليلها بما جذب إنتباه المبحرين والمعلنين.

بنت "غوغل" نجاحها على مرآةٍ من دون قعر ظهرت عبرها البشرية في مستويين من الرقابة والمراقبة في تقنيات جديدة وبسرّية مطلقة بين ال2000 وال2004. ومع دخول البورصة الى "غوغل" في ال2004، أدرك العالم أنّ هذه التطبيقات تسمح له لأن يضاعف أرباحه إلى نسبة 3590 بالمئة التي إعتبرت إنقلاباً تاريخيّاً في تحقيق الأرباح. وسرعان ما أغرت الرأسماية الرقابية "فايسبوك" الذي فرض نفسه الأنموذج البرّاق في تكديس جبال المعلومات وإسقاطها في وادي السيليكون. توسّع هذا الأنموذج بمعانيه الإقتصادية ليطاول مختلف القطاعات التي تهمّ الجميع في عصر تجميع المعلومات التي تبدأ ببطاقات الهوية والتفاصيل الشخصية مروراً بالصحة وأسواق المال وقطاعات التسلية والتربية الرأسمالية التي سرعان ما ظهرت تحت أعيننا لعبة شهرةٍ نرمي عبرها حياتنا وتواريخنا فيخضعها غيرنا للتحليل والتجارة التي لم

يبلغها البشر من قبل في إمكانية السيطرة وكسب الأرباح. يتطلّع "فايسبوك" إلى إتاحة الفرص للمعلنين من تدوين اللحظات الدقيقة التي يظهر فيها المراهقون في العالم وقد ملكوا زمام الثقة بأنفسهم وقدراتهم ليزرع أمامهم بضائع ومقتنيات وأفكاراً إعلانيّة تضج بالإغراء الحاسم.

تسكن العقل البشري فكرة الذكاء الإصطناعي الطاغية الذي يمكنه إخضاع هذا العالم الفسيح الصغيرالذي نعيش فيه وتحريك رغباتنا وإمتلاكها وكأنّ الإنسان أصبح منجماً صامتاً عبر معلوماته القابلة للإستثمار الواسع لكنّها المعلومات المقلوعة أساساً من حياته اليومية.

لست بحاجةٍ لأن تسخّر نفسك وتطرح سؤآلاً على أحد. مات السؤآل وأصبح عيباُ عليك مع أنّ الأطفال هم السؤآل. لا تسأل من حولك في البيت أو المدرسة عن أيّ شيء. يكفيك أن تنقر على "غوغل" خزّان المعارف لتعرف كلّ شيء عن أي شيء. تمكّنت تلك الرأسمالية الرقابيّة من التحكّم بنا وبمنازلنا وحاجاتنا وثقافتنا وبالسلوك البشري العام إلى درجة أنّها تعلّمنا كتابة الموسيقى فوق السلالم والرقص عليها وتبيعنا حتّى المكانس/الروبو فتساعدنا في تنظيف بيوتنا والعيش برخاء النقر على أزرار التطبيقات.

يعرفون عنّا كلّ شيء ويفعلون كلّ شيء كي لا نعرف شيئاً عن أفعالهم وبرامجهم. يسيطرون على مستقبلنا ويتحكّمون بسلوكنا لحسابات الآخرين الذين يحوّلوننا إلى سلعٍ وأرباحٍ مادّية لا حدود لها. تلك هي السلطات المعرفيّة والتغييرية الجديدة للسلوك البشري عل الليبرا التي لا سوابق لها في التاريخ.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟