كتب د .حسين الديك / كاليفورنيا : الانتخابات الإسرائيلية 2019 انتصار اليمين وانهيار اليسار

تعتبر نتائج الانتخابات الإسرائيلية للكنيست ال 21 في تاريخ إسرائيل ، نتائج مثيرة للاهتمام لأنها تأتي في مرحلة دقيقة جدا تمر بها المنطقة ، وتأتي قبيل الإعلان عن ما بات يعرف بصفقة القرن "خطة السلام التي أعدتها الإدارة الامريكية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي"، وتكتسب أهمية أخرى وفقا للتركيبة الحزبية والقوائم الانتخابية التي تنافست في تلك الانتخابات ، ونظرا للظروف الإقليمية والدولية التي سبقت تلك الانتخابات من اصطفافات ومحاور دولية واقليمية داعمة ومؤثرة لصالح بعض الأطراف النافذة في إسرائيل.



لقد شكلت نتائج الانتخابات صدمة حقيقية في أوساط اليسار في إسرائيل، واظهرت تقدما واضحا لحزب اليكود بزعامة بنيامين نتنياهو رغم مسلسل الفضائح والاتهامات بالفساد التي وجهت له ، ومن جانب اخر تقدم المركز الوسط الممثل بحزب ازرق ابيض تحالف الجنرالات مع حزب يش عتيد بزعامة يائير لابيد ، ومحافظة الأحزاب الدينية على تمثيلها السابق في الكنيست .

فقد كانت الصدمة الكبرى في حزبي العمل و ميرتس والأحزاب العربية ، اذ حصل حزب العمل الإسرائيلي وهو حزب يسار وسط في انتخابات العام 2015 على 24 مقعد في الكنيست متحالف في حينه مع حزب الحركة بزعامة تسيفي ليفني ، واما في هذه الانتخابات فقد حصل هذا الحزب اليساري الذي أسس دولة إسرائيل على 6 مقاعد فقط ، وهي سابقة لم تحصل في تاريخ الحزب منذ تأسيس دولة إسرائيل في العام 1948م، على الرغم من ان هذا الحزب يمتلك مؤسسات اقتصادية واجتماعية ونقابية وثقافية وسياسية قوية في إسرائيل لازالت قائمة وتمتلك قاعدة شعبية مهمة، وقد أظهرت كافة التحليلات ان جماهير حزب العمل قد رحلت من هذا الحزب وصوتت لحزب ازرق ابيض بزعامة بيني غانتس ويائير لابيد ، وفي إشارة هامة ان زعيم حزب العمل افي غاباي يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الخسارة بسبب سوء ادارته للحزب ، وطريقة تعاطيه مع حليفته السابقة تسيفي ليفني زعيمة حزب الحركة ، حيث ان غاباي في مؤتمر صحفي سابق وعلى الهواء مباشرة طرد تسيفي ليفني من الحزب وانهى الشراكه السياسية معها ، واعتبرت أوساط كثيرة في حزب العمل ان هذا التصرف لا يليق بكل المبادئ والأخلاق السياسية والحزبية المتعارف عليها في التحالفات والشراكات السياسية في إسرائيل ، أضافة الى ذلك ابتعاد افي غاباي زعيم حزب العمل عن التركيز على القضايا الرئيسية و التقليدية للحزب واهمها مسالة الصراع مع الفلسطينيين وعملية السلام وحل الدولتين، اذ تشير الكثير من الاوساط الحزبية ان افي غاباي اخذ حزب العمل الى جهة اكثر يمينية وقريبة من يمين الوسط كون افي غاباي كان في السابق عضوا في حزب اليكود الإسرائيلي.

وعلى صعيد اليسار الحقيقي في إسرائيل والممثل بحزب ميرتس والذي يدعم حل الدولتين والتعايش مع الفلسطينيين وتحقيق المساواة الكاملة لمواطني دولة إسرائيل، والذي يمثل شراكة حقيقة بين اليهود والعرب في إسرائيل ، كان هناك تراجع في عدد المقاعد التي حصل عليها ، فقد حصل في انتخابات عام 2015 على 6 مقاعد ،اما في هذه الانتخابات فقد حصل على 4 مقاعد ، وهذا يشكل جزء من الحالة العامة في إسرائيل وهي تراجع اليسار بشكل كبير حتى وصل الى حالة من التلاشي من الحياة السياسية ولن يكون له أي دور فاعل في الحكومة التي سيتم تشكيلها بعد هذه الانتخابات.

واما في اليمين فقد اكنت أظهرت نتائج الانتخابات ان المعركة الانتخابية تركزت ما بين اليمين و اليمين ، بمعنى بين حزب اليكود بزعامة بنيامين نتنياهو وبين احزب اليمين الصغيرة المنشقة عن حزب اليكود مثل حزب الهوية بزعامة موشي فيغلن، وحزب إسرائيل بيتنا بزعامة افيغدور ليبرمان ،وحزب البيت اليهودي بزعامة نفتالي بينت ، وقد استطاع نتنياهو هزيمة هذه الاحزاب هزيمة ساحقة والتقدم على حسابها في الانتخابات، مع احتفاظها بتمثيلها في الكنيست بالحد الأدنى من المقاعد، اذ فاز حزب اليكود ب 35 مقعد في هذه الانتخابات مما يجعله القوة الأقوى في الكنيست الإسرائيلي ال 21 وقادرا على تشكيل حكومة قوية وموسعة مع الأحزاب اليمينية والدينية ، و تمكن حزب شاس الديني من الفوز ب 8 مقاعد وحزب يهودوت هتوراة الديني "يهود التوراة" من الفوز ب 7 مقاعد ، وحزب إسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان من الفوز ب 5 مقاعد ، وحزب يهود مفغالوت هايمين من الفوز ب 4 مقاعد ، وحزب اليمن الجديد بزعامة نفتالي بينت من الفوز ب 4 مقاعد ، وحزب كولاني بزعامة موشي كحلون من الفوز ب 4 مقاعد ، وهذا ما يعزز دور نتنياهو في تشكيل الحكومة الإسرائيلية المستقبلية اذ ان هذه الأحزاب تاريخيا تتحالف مع نتنياهو وتكون جزء من الحكومة .

وقد مثل حزب المركز ازرق ابيض "كاحول لفان " بزعامة الجنرال بيني غانتس ويائير لابيد "حزب الجنرالات كما يسميه البعض" القوة الثانية في الانتخابات بعد حزب اليكود ، وقد فاز ب 33 مقعد ، وجاءت هذه المقاعد على حساب اليسار وخاصة حزبي ميرتس والعمل ، اذ ان حزب العمل فقد مقاعده لصالح حزب المركز ازرق ابيض، ليس هذا فحسب بل ان حزب العمل فقد القلعة التاريخية للحزب وهي مدينة تل ابيب التي تصوت دائما لحزب العمل ، اذ حصل حزب ازرق ابيض على ما نسبته 45% من الأصوات في تل ابيب ، بينما لم يحصل حزب العمل سوى على حوالي 18% من أصوات مدينة تل ابيب.

وفيما يتعلق بالتمثيل العربي في هذه الانتخابات ، فقد استطاعت قائمتين فقط من عبور نسبة الحسم ، وحصل تحالف الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير على 6 مقاعد ، وتحالف التجمع الديمقراطي والحركة الإسلامية على 4 مقاعد ، وبهذا يكون مجموع التمثيل العربي هو 10 مقاعد فقط ، وبذلك تراجع كبير اذ حصلت القائمة المشتركة التي تمثلت تلك الأحزاب في العام 2015 على 13 مقعدا ، وهذا يعني ان العرب قد خسروا ثلاثة مقاعد على الأقل، وهنا لابد من الإشارة ان نسبة المشاركة العربية المنخفضة في تلك الانتخابات لعبت دورا هاما ، اذ بلغت حوالي 49% تقريبا ، واما في العام 2015 فقد بلغت حوالي 64% ، اضف الى ذلك فان تفكك القائمة المشتركة كان له الأثر الاكبر على عدم ذهاب الناخبين العرب الى مراكز الاقتراع، والاهم من ذلك ان 28% من أصوات الناخبين العرب ذهبت الى أحزاب يهودية وخاصة حزبي ميرتس وازرق ابيض .

ومن خلال هذه النتائج يظهر بوضوح انهيار معسكر اليسار في إسرائيل ، هذا المعسكر الذي حكم إسرائيل لسنوات طويلة وهو الذي أسس دولة إسرائيل ، ولكن هنا لا بد من الإشارة الى انه منذ تولي حزب اليكود السلطة في إسرائيل في العام 1977م لم يستطع اليسار الإسرائيلي ممثلا بحزب العمل وميرتس من الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة سوى مرتين في العام 1992م والعام 1999م وذلك من خلال التحالف مع الجماهير العربية في الداخل التي منحت حزب العمل الإسرائيلي اصواتها وثقتها في تلك الانتخابات ، ومن هنا دلالة مهمة و واضحة انه اذا أراد اليسار في إسرائيل إعادة الاعتبار لنفسة وقوته والوصول الحكم عليه إعادة العلاقة والشراكة الحقيقية من الناخبين العرب والمجتمع

العربي في إسرائيل ، وفق مبدا المساواة التامة والاعتراف بالحقوق الكاملة والمتساوية لهم في دولة إسرائيل كي يضمن العودة للحكم ، في ظل تعاظم قوة اليمين الشعبوي والديني في المجتمع الإسرائيلي.

ومن هنا نرى ان نتائج هذه الانتخابات قد عززت قوة اليمين في إسرائيل ، و مجموع ما حصل عليه يمثل حوالي 65 مقعد مما يمنحه القدرة على تشكيل الحكومة القادمة ، بينما معسكر اليسار والوسط وبدعم من الأحزاب العربية قد يحصل على 55 مقعد فقط ، وهذا يعني استمرار حزب اليكود في السلطة واستمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، وقد ساعدت الكثير من العوامل في الوصول الى تلك النتيجة وفوز نتنياهو في هذه الانتخابات، وتعزيز دور اليمين الاسرائيلي في الحياة السياسية ، كان أهمها اعتراف الرئيس الأمريكي ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وتسليم موسكو رفات الجندي الإسرائيلي المحتجز في سوريا منذ 37 عام ، اذ اعتبر الكثر من المراقبين ان هذه الاجراءات هي عبارة عن هدايا مجانية ودعم مباشر من قبل الرئيس بوتين وترامب لنتنياهو للفوز في هذه الانتخابات ، و تعزيز سيطرة اليمين في اسرائيل ، اذ ان نتنياهو وحزب اليكود يمثل امتداد لظاهرة اليمين الشعبوي التي تنتشر في هذه السنوات في الكثير من دول العالم وخاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الامريكية.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟