حتى لا تفتن فيه النساء فرضوا عليه اللثام ..قصة الشاب الوسيم وضــاح اليمــن الذي دُفـن حياً

ربما لم يختلف البحَّاثة والنسَّابة والنقاد حول شاعر، في شخصيته وهويته، وفي حسبه ونسبه، وفي شعره وأثره، مثلما اختلفوا حول وضـ.ـاح اليمن.



وقد تعددت الروايات وتنوعت الأقاويل في هذه التفاصيل التي شكّـ.ـلت دوامة من علامات الاستفهام والتعجب التي حفلت بها سيرة هذا الشاعر، وجعلت قارئها ومتابعها يغرق في لُجَّتها من دون أن يخرج منها في الأخير إلى برّ الأمان.

_من هو وضـ.ـاح اليمن؟
ففي أصله وفصله قيل إنه يماني من أصل حِمْيَري، فهو عبدالرحمن بن إسماعيل بن عبد كُلال بن داذ بن أبي جمد من آل خولان بن عمرو بن معاوية الحِمْيَري.

غير أن مصادر أخرى تزعم أن أصله فارسي من فئة «الأبناء» وهم ذُرِّيَّة المقاتلين الفرس الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لمّا جاءه يستنجده لنصرته على الأحباش الذين احتلوا بلده.

فلما أعانوه على طردهم من اليمن، ظلوا فيها وأداروا شؤونها وتزوجوا من نسائها وصارت لهم فيها ذُرِّيَّة أطلق اليمنيون عليهم نعت «الأبناء» لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، أي أنهم «مُولَّدون».

_أشعار وضاح اليمن
ومثلما اختلف الرواة حول هوية وضاح ونسبه، اختلفوا حول شعره، ومن نافل القول أن ما جُمع منه وحُفظ ووصل إلينا ليس سوى النزر اليسير مما خلَّفه وراءه..

بل أن عديداً منه وصلنا مجزوءاً في شكل قُصاصات غير تامَّة وأشتات غير مكتملة، بعد أن كان شعره محفوظاً ومتداولاً بين الناس وفي المجالس الخاصة حتى القرن التاسع للهجرة.

وقد راح البعض يُشكِّك في نسبة بعض هذا الشعر إلى وضاح، زاعماً أن ثمة اختلافاً في حبكته وجودته عن غيره من الشعر المنسوب إليه باتفاق جُل أو كُل الرواة، أو أن بعضه يحتشد بألفاظ وصور وتعابير هي ليست من سِمات الشعر الذي كان سائداً في الفترة التي عاش وقال الشعر فيها وضاح اليمن (القرن الهجري الأول ).

ولا يذكر مصدر من المصادر التي أرَّخت لوضاح اليمن سنة ميلاده – شأنه في ذلك شأن كثير من الأعلام قديماً – أما وفاته فقد حدَّدها بعض المصادر بسنة 90 هجرية، فيما أشارت مصادر أخرى إلى أنه توفي بين عامي 93 و95 للهجرة.

غير أن المؤكد هو معاصرته لعهدَيْ الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان وولده ولي العهد ثم الخليفة الوليد الذي توفي سنة 96 للهجرة والذي يؤكد أغلب الرواة أن وضاحاً مات – أو قُتل – في عهده، كما سنذكر ذلك لاحقاً.

وتفيد المصادر بأن وضاح اليمن وُلِدَ ونشأ في قرية «شُعُوب» في إحدى ضواحي صنعاء والتي كانت حينها مزدانة بالبساتين، فكان يقضي معظم وقته متأملاً جمال الطبيعة التي لقيَ نفسه في كنفها.

ولعلَّ ذلك مما أنبت بين جوانحه قريحة الشعر وأثَّر في مشاعره المختلجة على الدوام والتي انعكست على صوره وتعبيراته الشعرية، حتى حين غادر صنعاء إلى الحجاز، ثم إلى الشام حيث استقر لبقية عمره.

وأما تسميته بوضَّاح فترجعه أغلب المصادر إلى أنه كان ذا وجه جميل للغاية، حتى إن أهله – أو قبيلته – فرضوا عليه وضع قناع على وجهه كلما خرج من داره، لكثرة ما فتن النساء بجمال وجهه الوضاء أو الوضاح.

وفي ظل هذه التباينات التي شابت سيرة هذا الشاعر، أو التشكيك في صحة الكثير من مجريات حياته وأحداثها، بل وحقيقة وجوده من الأساس، أو حتى تجاه قصائده.

يظل وضاح اليمن واحداً من أبرز رموز الشعر اليمني في العصر الإسلامي عموماً، وفي الفترة الأموية خصوصاً، بل وواحداً من أفضل شعراء الغزل في ديوان الشعر العربي إجمالاً.

_بين امرأتين
تهيمن امرأتان على سيرة وقصائد وضاح اليمن بصورة شبه كاملة، أولاهما هي حبيبته وبنت قبيلته «روضة» التي خلَّدها في جزء كبير من شعره، ولم تُعرَف لها هوية واضحة خارج هذا الشعر.

وقد اختلف الرواة في أصلها قدر اختلافهم في أصل حبيبها وشاعرها، فقيلَ إنها يمنية كِنْدِيَّة من جذع فرغان ذي الدروع الكِنْدي، وقيلَ إنها من بنات الفرس أي من ذُرّيَّة «الأبناء».. وقد ذكر بعض المصادر أنها تُدعى روضة بنت عمرو.

غير أن الاختلاف حول هويتها لم يقابله أدنى اختلاف حول حقيقتها كحبيبة لوضاح اليمن الذي عانى في حبها كثيراً وكابد في سبيل وصالها الويلات، فقد عشقها بولهٍ شديد، ولكنه حين ذهب إلى أهلها خاطباً رفضوه بل ووبَّخوه بعنف كعادة العرب الأقحاح في تعاطيهم مع من يُشبِّب ببناتهم فيجعلهن مُضغة في الأفواه.

بعدها انقطعت صلة وضاح بروضته، خصوصاً أن أهلها زوَّجوها برجل من حي بعيد عن شعوب، لكنه ظل يتغزَّل بها بقية حياته، قائلاً فيها أجمل أبيات الغزل المشوب بالحسرة والمشبوب بالحُرقة.

لكن القصيدة التي شاعت وذاعت حينها، وأرَّقت أهل روضة فكانت سبباً في رفضهم لوضاح خطيباً، بل ودفعت بعض بني عمومتها إلى محاولة قتله يومها، هي التي جاءت على صورة حوارية متأججة المشاعر ومكشوفة الساتر بين وضاح وروضة.

أما المرأة الأخرى في حياة وشعر وضاح اليمن فهي أُمُّ البنين بنت عبدالعزيز بن مروان وزوج الخليفة الوليد بن عبدالملك بن مروان.

وملخص هذه القصة هو أن أم البنين زوجة الخلبفة الوليد بن عبدالملك وابنة عبدالعزيز بن مروان شغفت حباً بوضاح وأوعزت إليه أن يمدح الخليفة (زوجها) ليتقرب منه..

وزينت للخليفة شعره حتى قرّبه تماماً، وأسكنه في قصره!! أو قرب قصره!!.. فتحقق لأم البنين اللقاء به!! حتى إذا كان ذلك اليوم الأسود نادى الخليفة عبده الخاص وأعطاه جواهر تعادل مئات الملايين وقال له: أعطها أم البنين هدية مني!

وحين دخل العبد رأي (وضاح اليمني) وهو يختبئ في صندوق كبير فطمع وقدم الجواهر وطلب جزءاً ثميناً منها وهو ينظر للصندوق، لكن سيدته نهرته وحقرته فخرج عاضباً وطلب لقاء خاصاً بأمير المؤمنين وأخبره سراً أن وضاح اليمني عند أم البنين وأنها خبأته في صندوق حين أحست بقدومه، فشهر الوليد سيفه فقطع رأس العبد فوراً ثم دخل على زوجته الملاصق مخدعها لمكتبه فجلس على الصندوق وقال: هبيه لي قالت: خذ غيره فإنه عزيز علي فأصّر واضطرت للموافقة، فأمر بحفرة عميقة ودفن الصندوق فيها دون أن يفتحه ثم ردموا الحفرة ووضعوا فوقها الفرش فجلس الخليفة فوقه وقال: إن كان وضاح فيه فقد لقي جزاءه وإن لم يكن فإنما دفنا مجرد صندوق.

وقد اشتهرت قصة مصرع وضاح اليمن في صندوق أم البنين، بالرغم من أن عديدين قد شكَّكوا في صحة هذه الرواية، مشيرين إلى أنها من صنيع الشعوبيين الذين دأبوا في نسج الأخبار الكاذبة على خلفاء العرب وسادتهم ورموزهم واختلاق الحكايات المسيئة إليهم بغية النيل منهم ومن مكانتهم ودولتهم.

ويذكر أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» أن أحد الشعوبيين وضع كتاباً بسبب نزاع حدث بينه وبين رجل من ذُرّيَّة الوليد، في دولة بني العباس، وأورد هذا الشعوبي في ذلك الكتاب قصة وضاح وأم البنين والوليد والصندوق.

وإلى جوار الأصفهاني شكَّك كثيرون في صدق هذه الرواية، ومن هؤلاء الزبير بن بكار الذي عدَّها صنيعة شعوبية.

ويبقى الكثير من حقائق السيرة الشخصية والشعرية لدى وضاح اليمن في طيّ النسيان أو في قبر الكتمان، ما زاد من حجم المظلمة التي لحقت بهذا الشاعر الذي ظُلم في حَسَبه وحُبِّه، وفي شعره وأدبه، فظُلم حياً وميتاً.

ومما بلغ حدَّاً قصيَّاً من مظاهر الظلم تجاه وضاح اليمن ما ذكره بعض المصادر وأكَّده الدكتور محمد خير البقاعي من أن وضاحاً كان فارساً مقداماً، غير أن هذه الصفة قد غابت – أو غُيِّبتْ – في لُجَّة الاتهامات التي كيلت له بالمجون الصريح.

وتذكر مصادر عدة إسهاماته الجليلة في الغزوات والحروب التي قادها مسلمة بن عبدالملك، لا سيما في حروب مسلمة ضد يزيد بن المهلب، ويرد في أحد هذه المصادر أن وضاحاً ربما قُتل في إحدى هذه الحروب سنة 95 للهجرة.


****
****

حمل الآن تطبيق الجالية العربية في أمريكا
واستمتع بالعديد من الخدمات المجانية ... منها :
* الانتساب إلى نادي الزواج العربي الأمريكي
* الحصول على استشارة قانونية مجانية حول الهجرة واللجوء إلى أمريكا .
* الاطلاع على فرص العمل في أمريكا
* تقديم طلب مساعدة مادية أو خدمية

لتحميل التطبيق من متجر Google Play لجميع أجهزة الأندرويد

لتحميل التطبيق من متجر App Store لجميع أجهزة أبل



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهو سبب كثرة حوادث اطلاق النار في أمريكا ؟