مدهشة حلب هذه يا صديقي .. بقلم أنس أزرق

أزعم أنني أعرف حلب شقفة شقفة وحارة حارة وكل أسواقها ومساجدها وعائلاتها وعشائرها منذ ولادتي بحي شعبي هو برية المسلخ العتيقة قرب ضريح الولي الشيخ محمد الضوضو الذي كان يهدينا أنا وأبناء عمومتي قروشاً قليلة نسطو عليها من تبرعات الأرامل والنساء اليائسات أو الحالمات برقية من عين حسود أو إغواء زوجة أخرى أو طفل ذكر بعد بنات كثر... ونذهب بقروش الضوضو إلى ساحة الملح والسرايا لشراء الزعبوب أو الهريسة ونعود لبيتنا العربي في دكاكين حجيج مغبرين بعد النزول لخندق القلعة وتسلق هضبتها.
أعرف دكاكين مدينتي ومعها طموح أبنائها لمغامرات التجارة والصناعة حتى وصل أعرجهم للصين.

مدرستي الابتدائية عقبة بن نافع في باب النيرب كانت نافذتي للأصدقاء من أبناء العشائر ومدرستي الثانوية المعري في العزيزية كانت نافذتي لأبناء بلدي من الطوائف المسيحية المتعددة وعلمني ذلك أن نسيج حلب بديع بتعدده كنسيج ورشات كهوف المغار والذي صدرته حلب لمصانع الجوخ الإنكليزي بمعامل بريطانيا.

حلب الأسطورية بحكايات شهباء إبراهيم الخليل وبلاط سيف الدولة ومحاكمة السهروردي وتكايا الصوفية والمشغولة بورشات الحدادة والنسيج والذهب وروائح الزعتر الحلبي وصابون الغار والبهارات التي تضم أبناء المدينة الأغنياء والفقراء منذ الصباح حتى المساء والمستعدة دوماً لصوت القدود والموشحات.

حلب العامرة المزدهرة ظلمت منذ الاستقلال السوري ففقدت شمالها الزراعي لمصلحة الدولة التركية الحديثة وميناءها طرابلس الشام لمصلحة لبنان الكبير وقبل ذلك أهميتها الإستراتيجية كمحطة مهمة على طريق الحرير والتوابل بين أوروب والشرق بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. كما فقدت لاحقاً علاقاتها التجارية مع العراق نتيجة الاستقطاب السياسي والحزبي. ولا يمكن إغفال التنافس مع العاصمة دمشق ولا أحداث الثمانينات.

هذه المدينة شعرت مع الرئيس بشار الأسد حتى قبل وصوله لسدة الرئاسة بالأمن والأمان واستعادة دورها الطبيعي، فعرف الأسد أسرار المدينة كما عرف مطاعمها وأكلها الحار اللذيذ كحرارة أبنائها وعفويتهم واعتزازهم بتاريخهم وتجاوب مع تطلعاتهم بكل تواضع كما عمل على فتح الأفاق الاقتصادية والسياسية مع جيرانهم.

يستطيع أي حلبي أن يروي لك قصة أو يريك صورة على موبايله عن الدكتور ويجب أن تستنتج فوراً أنه يقصد رئيس الجمهورية الذي وعده خيراً واستمع له بإنصات عن معاناة هنا أوهناك.

رأيت ذلك خلال اليومين الماضيين وبعد أن حاورت مفتي الجمهورية سماحة الشيخ أحمد حسون ومفتي حلب الشيخ محمود عكام والمطران يوحنا إبراهيم ورئيس غرفة التجارة الدكتور حسن زيدو وكثيرين من الأصدقاء والمحبين كما البسطاء في أسواق حلب العتيقة المسقوفة أو بأسواقها الجديدة والكل أجمع "لسنا أرانب وإنما نريد الإصلاح ولا نبغي الفساد في الأرض ولن نستجيب لأبواق التحريض ولن نعود للوراء. بلدنا تزدهر ولن نتركها لمستقبل مجهول".

الوزير الصديق وئام وهاب أسر لي بعد أن قالت له سيدة حلبية أنت "بتفش خلقنا يا أستاذ وئام": «مدهشة حلب هذه يا صديقي!». وهي فعلاً كذلك.

بقلم الاعلامي الحلبي : أنس أزرق



تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟