المتنبي رائد الدراسات النفسية بقلم/ توفيق أبو شومر

ما أكثر ما كُتبَ عن المتنبي، وما أكثر الأبحاث التي قدمت عن شعره! وما أكثر الشهادات التي مُنحت على شرفه، وما أكثر الشروحات والمؤلفات التي صدرتْ تعليقا على أبيات قليلة للشاعر، وما أكثر الأمسيات والمناسبات التي خًِّصصت لعبقرية هذا الشاعر!

سيظلّ بئر أبي الطيب يفيض بالعبقرية، ليس لجيلنا فقط، بل للأجيال القادمة في الألفية الثالثة .

اختصر كثيرٌ من الباحثين والناقدين ومَن في حكمهم كرنفالات الكتابة عن أسرار عظمة وتفوق المتنبي إلى كلمة واحدة وهي (العبقرية)!

وللحقيقة فإن عبقرية المتنبي ليست فقط عبقرية( وادي عبقر) والتي كانت تعني الإلهام الشعري والمَعين اللغوي الذي لا ينضب، وليست هي أيضا كفاءة الشاعر في اختيار اللغة والأوزان والقوافي والمفردات، وليست هي قدرة الشاعر على هزيمة معاصريه من الشعراء؛ وليست عبقرية المتنبي راجعةٌ إلى خلود أشعاره وملاءمتها لكل عصر وأوان، واستشرافها لما سيأتي به الزمان من أحدثٍ وخطوبٍ!

وإنما تعود عبقريته أيضا إلى أن أشعاره منجمٌ غني، لم تُسبر أغوارُهُ بعد في مجال الدراسات النفسية الخصبة ، والتي تُعَدُّ في عالم اليوم عمدةَ الدراسات لما لها من آثار على الشعوب، فقد أصبحت الحروب اليوم، لا تعتمد على كفاءة الجيوش وعددها وحداثة الأسلحة، بل تعتمد على الغزو النفسي، وهذا الغزو لا يمكن أن ينجح إلا إذا خَبر المنتصرون الجينات النفسية للشعوب المهزومة، لكي يتمكنوا من العثور على أمراض النفس في تلك المجتمعات، تمهيدا لإنتاج الفايروسات المُسبِّبه لهذه الأمراض .

جسَّدَ أبو الطيب العبقرية كلها في أشعاره، وحولها من مدلول جغرافي يُشير إلى وادٍ يُلهم الشعراء ( وادي عبقر)، إلى جُماعٍ معرفي يَعني شفافية العواطف والأحاسيس، وصدق التجارب، والصقل الثقافي الواعي،وجعل من تجاربه وأسفاره وقراءاته نظرياتٍ في علم النفس البشرية ، وجاءت هذه النظريات موزونة مقفاة رائعة السبك، سائغة المذاق!

إنه أبو الطيب الذي تنبأ أن يكون الزمانُ والعصرُ والأوانُ راويا لقصائده، منشدا لها طوال الوقت، فصدقتْ نبوءته:

وما الدهرُ إلا من رواة قصائدي... إذا قلتُ شعرا أصبحَ الدهرُ منشدا

نعم إنه هو حكيم الزمان ، وفيلسوف العصر والأوان، الذي شخَّص الهوان والذلَّ، وجعل الذليل ميِّتاً، وإن ظلَّ يتنفس ويمشي ويأكل وينام:

ذلَّ من يغبط الذليلَ  بعيشٍ... رُبَّ عيشٍ أخفُ منه الحِمامُ

من يَهُنْ يسهل الهوانُ عليهِ... ما لجُرحٍ بميِّتٍ إيلامُ

 

غاص المتنبي في لاشعور الحكام، وشارك الشعوب المقهورة في أحلامها، واستهزأ بكثير من الزعماء الذين تحكموا في رقاب الشعوب وجهَّلوها، فهو القائل:

ساداتُ كلِّ الناسِ من نفوسهم... وسادةُ المسلمين الأعبد القُزُمُ

أغاية الدين أن تُحفوا شواربكم... يأ أمة قد ضحكت من جهلها الأممُ

                   وكان أيضا سابقا لكل روَّاد علم التحليل النفسي، ممن يُعتبرون في عالم اليوم أساطين علم النفس،فالمتنبي مؤسس مدرسة التحليل النفسي كان سابقا على سيغموند فرويد رائد مدرسة التحليل النفسي المتوفى عام 1939 بعشرة قرون. فقد ضغط نظرية نفسية بكاملها في بيتين من الشعر، يُشيران إلى مرضٍ نفسي خطير، يتمثَّل في سوء الظن بالآخرين،وهو الحقد الذي يتحول من مرض لا شعوري إلى وباء مُعْدٍ ، وهنا يصبح المرض خطيرا يقلب حياة المرء رأسا على عقب، فيتحول المحبون عند المصابين بالمرض إلى أعداء، ويصبح مرضُ الشك هو المهيمنُ عليهم فهو يقول:

إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ... وصدَّقَ ما يعتادُه عن توهُّمِ

وعادي محبيه بقولِ عُداتِهِ ... وأصبح في ليلٍ من الشكِّ مُظلمِ

 وهو أستاذ عالم النفس المشهور كارل يونغ المتوفى عام 1961 الذي قال إن الإنسان وحش بدائي ، يختفي تحت قناع اجتماعي زائف، حتى أن الأمريكيين استعانوا به ليُحلل لهم شخصيات النازيين عام 1943 فَعُدّ كارل يونغ السويسري المولد عبقريا بارزا، وبقي المتنبي العربي يقبع في كتبنا العربية التراثية شاعرا بليغا حكيما كما غيره من الشعراء على الرغم من أنه لخَّص نظرية يونغ في بيت شعري واحد:

والظلمُ مِن شِيَمِ النُّفوسِ فإِنْ ... تَجدْ  ذا عِفَّةٍ، فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ

( فالظلم غريزة، والعفة طارئة مُسبَّبة)!!

إن خبرة المتنبي بالحياة، جعلته في مصاف العلماء الأفذاذ، فهو خبير بطبائع الناس وأحوال البشر، فهو يستعيدُ بدائيتهُ المتمثلة في القسوة المفطورة في النفوس البشرية من جديد قائلا:

ومَن عرَفَ الأيامَ معرفتي بها... وبالناسِ روَّى رمحَهُ غَيْرَ راحمِ

فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به.... ولا في الردى الجاري عليهم بآثِمِ

 هو عالم النفس الأول وخبيرها الفذ الذي وصف الناس بأنهم يزحفون على أمعائهم،تقودهم بطونهم وشهواتهم، أكثر مما تقودهم عقولهم وأفكارهم:

ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانتْ لهم جُثَثٌ ضِخَامُ

بأجسادٍ يَحَرُّ القتْلُ فيها... وما أَقْرَانُهَا إلا الطَّعام

من يقرأ بعض أشعار الشاعر، يظفر بكنز من التحليلات النفسية الممزوجة بالحكم وخلاصة التجارب، ولخَّص الشاعر نظريته في الحياة كلها وفي السلم والحرب والبطولة والموت، ليس في موسوعة علم النفس، وليس في مؤلَّف كثير الأجزاء، بل في أبيات موزونة سهلة، يشير فيها إلى تجارب السابقين، ممن عاشوا هموم الدهر ونوائبه مشيرا إلى أن الإنسان لا يسعى لتخفيف هذه النكبات ، بل يساهم في تضخيمها، على الرغم من أن آمال البشر وأحلامهم، مقدّمةٌ على العداوة والمرارة، فالحياة أقصر من أن نستنزفها في العداوات، فلنعش أبطالا بغض النظر عن سنوات العمر، كما أنه يُرسي أيضا نظرية تربوية معرفية تتعلق بالتثقيف والتعليم والتربية، التي قد تبدو صعبة المنال إذا لم نشرع في تطبيقها، غير أنها تصيرُ سهلةٌ إذا شرعنا في وضع برامجها وتنفيذها!

نعم إن قائل الأبيات ، ليس عالم التربية جون ديوي وبلوم ، ولا تشارلز بيرس واضع نظرية البرغماتية، ولا الفيلسوف كانط، وإنما هو صاحب مدرسة الحياة الشاعر المبدع الخبير بالنفوس المتنبي، فهو يقول في أبيات تحوي نظريات نفسية، من خُلاصة تجاربه وقراءاته:

صحبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا... وعناهم من أمرِهِ ما عنانا

وتَوَلَّوْا  بغُصَّةٍ كلُّهُمُ منه... وإنْ سَرَّ بعضهم أحيانا

  ربما تُحسِنُ الصنيعَ لياليه... ولكن تُكَدِّرُ الإحسانا

كلما أنبت الزمانُ قناةً ... ركَّبَ المرءُ في القناةِ سنانا

ومُرادُ النفوسِ أصغرُ من أن... نتعادى فيه وأن نتفانى

 ولو أن الحياةَ تبقى لِحيٍّ... لعدّدُنا أضلَّنا الشجعانا

وإن لم يكن من الموتِ بُدٌّ... فمن العجز أن تكون جبانا

كل ما لم يكن من الصعب في ...النفس سهلٌ فيها إذا هو كانا

                                 ما زلنا نأمل أن تتحول مراكزُ الدراسات والأبحاث في المعاهد والجامعات العربية، من صيغة التلقين التراثي المُعتاد المتمثل في حفظ سيرة حياة الشعراء والكتاب، وشرح مفردات الأبيات الشعرية، وامتحان الطلاب في حفظ بعض الأبيات، ونظريات النقد الأدبي التقليدية؛ إلى صيغة علمية جديدة، يكون هدفُها النهائي اكتشاف أسرار العبقريات في تراثنا العربي الثري، وإدماج العبقريات العربية ضمن التراث العالمي، بشرط أن تكون هذه الدراساتُ المقترحة موجَّهة بالدرجة الأولى للجامعات العالمية وللدارسين المتابعين في كل أنحاء العالم، بكل اللغات، بالإضافة إلى تجديد  مفاهيم النقد الأدبي التقليدية في مدارسنا، لغرض تعزيز الافتخار بالتراث العربي في نفوس أبنائنا وأجيالنا الصاعدة ودفعهم إلى الإبداع، وقبل كل ذلك إيقاف نزيف انهيار ثقة الجيل العربي الصاعد في تراثنا العربي!



تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟