نقد في رواية / تحت نقطة الصفر

بقلم الشاعر سامي الاجرب



في المقدمةِ :-
لا بد لنا أن نعرف في الرأوي والقاص الشاعر المحامي موسى سمحان الشيخ 
الذي صدرت لهُ عدة مجموعات شعرية وقصصية وروائية , فالشعرية هي , إمي إذ تعانق ريحها , وتضاريس الجرح النازف , ولم تزل نوافذ المطر تضيء , أما المجموعات القصصية فهي , الأرض والأطفال , ورجل يريد أن يحيا , وإمرأة في حالة إنتظار , وقد ينتهي الشقاء , والروايات هي , مكان يتسع للحب , وهذه تحت نقطة الصفر
هذا هو الراوي الذي سنتحدث عنه اليوم , وعن إبداعاتهِ الأدبيةِ والتي أغنى بها المكتبة الأردنيه والعربيه , والتي تتحدث عن معاناة وهموم الإنسان وأي إنسان عامة والفلسطيني من ضمن بني البشر
ففي هذه الروايةِ تحت نقطة الصفر 
لا يكفي أن ندرك المدارك ومضامين الكلمة ومعانيها الإنسانيةِ , فهذا يندرج تحت منطق الفهم للمدركات والحسيات العاطفية , ثم لا يكفي أن نشعر بتلذذ وسحر الكلمات والمنطق ومأثراته المتدفق من الذات , ففي المطالعةِ المتأنيةِ لرواية تحت نقطة الصفر , الخطأ كل الخطأ أن نقرأءها لمرةٍ واحدةٍ ونمضي , لا بل فهي تحتاج لقراءآت لتذوقها جيداً , ففيها من الرمزيات الشيء الكثير بحاجة للإمعان والتمعن , ولكي يسهل هضمها وإستيعابها فهي ذات مذاقات ونكهات متعددة , وحتى يتذوق القاريء عذوبتها وطعومها , عليهِ أن يخضع لطقس وطقوس عبودية الكلمة ويسجد بمحرابها , وهكذا يتذوق القاريء المثقف ذواق الكلمةِ شهي الكلمات والتي تعبر عن الروح وأرواح أبطال الرواية , والمندمجةِ ببوتقة الواقعية للواقع القروي والمدني , حيث تعبر الحروف بدقة الموضوعيه المعاشيه , إذ تفوح منها روائح زهر الليمون والدحنون والزعتر والزيتون , ورائحة الأرض التي لا يفهمها إلا أبناءها وفلاحها , إذن هي تلك بهارات ومنكهات رواية تحت نقطة الصفر .
هذا الكاتب الراو القاص الشاعر مرهف الأحاسيس نجدها بحلاوة كلماته ورونقها ومرارتها وأملاحها وحرقتها وعنفوانها تتجلى في المفردات التي يحياها في كتاباته التي يسعى أن لا تضيع مع تجدد مفردات اللغة العربية ولهجاتها العريقه .
هنا في روايته هذه تعيد القاريء للفطرة البشريه النقيه الطاهره من شوائب الفكر المعاصر والغزو الثقافي الغربي الإستعماري الذي راح يغزو اللسان والثقافة العربيةِ . . رواية تحت نقطة الصفر
رواية الحركة الهادئة والحياة ففيها نخضع لمبدأ الشفافية والرومانسية والسرديةِ الإجباريةِ في تتابعية الخطى وفي الحركة وكأنها حركة قوارب تنساب على سطح بحر هادي كلوح زجاجي دون حراك عنفي من محرك ميكانيكي أو أشرعة الريح الدافع , أو من مجذافٍ ,هنا الراوي يأخذنا من صورةٍ إلى صورةٍ في أبعادها اللامتناهيةِ الكلاسيكيةِ , متماسكةٍ وغنيةٍ تناسب زمانها ومكانها من منتصف القرن الماضي , بطيبةٍ وعفويةٍ لناسها وصدق ونبل أخلاقهم ومشاعرهم الفياضه الفطريه 
هذا النمط في الكتابةِ إشتهر بها الرواي موسى السمحاني , ففي أشعاره وقصصه ورواياته , كأنه إنسان يرفض الضجيج الأجوف الصارخ والصراخ الفارغ من مضامينه العقلانيه , لا شك أن الراوي بهذه الرواية إفتقد لروح الديناميكية العنفوانيةِ العاتيةِ , بل إستند على روح الديناميكية الإنسيابيةِ كإنسياب فراخ السمك في الجداول الرقراقةِ العذبةِ , فلا عصف بهذه الرواية ولا زئير ولا هدير ولا عنف وعنفوان وعراك وصراع , بإستثناء موقعة الكلبين التي أعطت الرواية شيء من الحيوية والحراك والتنشيط للحدث والحدثيةِ .
هكذا من سيقرأ بهذه الرواية من بداياتها ونهاياتها , يجد نفسه في مدينة قدس الأقداس , القدس الشريف مسرح الأحداث , لهذا جاءت الرواية بمهابةٍ ووقارٍ وخشوع وسكينةٍ لراهبٍ في معبدهِ , والمصلي في الأقصى , هنا كان الراوي يوحي لنا حتى الحب بمدينة القدس له قدسيته وطهره وطقوسه , وعذوبةٍ كعذوبة عطر أسوار القدس العتيقه , وكعطر البخور الروحاني .
فكل أبطال الروايةِ وشخوصها وناسها ومجتمعاتها نجدهم وكأنهم شيوخ ورهبان يسيرون في مساراتهم الإيمانية بالقضاء والقدر
حراكهم كنسمات بيت المقدس رقراقة ٍ ودافئةٍ , تدفعهم أحداث القدس الشريف في حراك وطني ينم عن روح مفعمةٍ بالإيمان والتقوى والمحبةِ والسلام , وكأنهم في جناس وطباق وتطابق لقدسية بيت المقدس التي تحيا بحياءٍ وخفرٍ من أبناءها وسواحها , وتدنيس أقداسها ومقدساتها بأقدام الإحتلال التي تعرفهم عبر تاريخها كمحتل حقير دموي وحشي
هذه القدس المقدسةِ التي كأنها توحي لأبناءها أن كونوا مصلحين وأنبياء ومرسلين في محارب أقصاها وكنائسها ومعابدها , وهي بذات الحين ترفض محتلها وإن كانت بتواضع الأنبياء , وجند الإحتلال في ميادينها وحواريها وأزقتها , وفي ليلها ونهارها وسماءها وأرضها لا يفقه لغة بيت المقدس النبويه , إنما يفقه لغة الوحشيه فهوالمحتل الغاصب لكل معاني الحياة المقدسيه .
والملفت للنظر أن الرواية
العقدةِ فيها أو الحبكةِ أو الخاتمةِ , أيضا جاءت رومانسيه حيث تترك القاريء أن يبحث عن النهايات التي سيتنبطها من وحي الرواية , وأنا للحقيقة رأيت أن الحبكة جاءت في فصل 33 من صفحة 171 , فهذه الصفحة كان يجب أن تكون خاتمة الرواية
سأترك المطالع للرواية ليتمتع بجزئيات من صفحة 171 
مدينة القدس غاضبةٍ فهي لا تستطيع السكوت إلى الأبد , في أحشائها يمور الف بركان , إنها المدينة التي تأبى أن تسلم لأحد مفاتيحها وتاريخها وأسوارها ومآذن قبابها , وكنائسها وأزقتها , كل شيء يقول تلك مدينةٍ باتت تأبى الخضوع , وحينما تسرج خيولها تجود بدم أبناءها بدون حساب , تدفع ثمن خطيئة آدم الأول دون أن تعتذر , هكذا هي القدس اليوم وفي كل يوم أت , لم يعد مسموح السكوت على إستباحة الأعداء لها في كافة مناحي حياتها , صحيح أن ناسها لا يملكون السلاح كما لا يملكون زمام المبادرة بمناجزة الأعداء , ولكنهم يملكون ما هو أثمن من ذلك , يملكون الإرادةِ الحرةِ في الذوذ عن مدينتهم بأجسادهم ولحم أطفالهم , من يملك هذا السلاح قد يقهر مؤقتا , قد يتراجع نحو الخطوط الخلفية ولكنه لم ولن يموت . نعم لن يموت .



تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟