تحريف كلام الله وتفسير القرآن بالرأي والهوى وادعاء النبوة

مِنْ صُوَرُ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ: (تحريف كلام الله تعالى):

وَمِنْ صُوَرُ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ، نسبةُ شيءِ من الكلامِ للهِ تعالى وليس هو من كلام الله تعالى، وهذا أكثر ما وجد عند اليهود والنصارى.



والتحريف أنواع ثلاثة:

الأول نسبة كلامٍ لم يقله الله تعالى إليه:

قال الله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾[1].



وقال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾[2].

 

الثاني: لَيُّ اللسانِ بالكلام لإيهام السامع أنه كلام الله وهو ليس من كلام الله تعالى:

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾[3].



وقال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾[4].

 

الثالث: تأويل كلام الله تعالى وصرفه عن حقيقته بغير دليل:

قال الله تعالى: ﴿ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾[5].

 

ومِنْ صُوَرُ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ: (تفسير القرآن بالرأي والهوى):

وَمِنْ صُوَرُ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ تفسير القرآن بالرأي والهوى، فعَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".[6]



وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ".[7]



قَالَ أَبُو عِيسَى: هَكَذَا رُوِىَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي هَذَا فِي أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَأَمَّا الَّذِي رُوِىَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْقُرْآنِ أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ رُوِىَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.



فإذا قيل لهم ذلك وهم أساطين البلاغة، وأرباب الفصاحة، وشاهدوا التنزيل، وصحبوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومن كانت العلوم عندهم سجية، والأفهام صحيحة، والعقول سوية، واللسان مستقيم لم تخالطه عجمة، بل لو حاول أحدهم الخطأ ما استطاع إليه سبيلاً، واستمع إلى ما رواه أهل البلاغة والأدب مما جرى بين سيبويه والكسائي في ذلك، ورد سيبويه بغداد على يحيى البرمكي، فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة، فقال له: كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور؛ فإذا هو هي؛ أو هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: أخطأتَ! العربُ ترفع ذلك وتنصبه، وجعل يورد عليه أمثلةً؛ من ذلك: خرجت فإذا زيد قائم أو قائماً، وسيبويه يمنع النصب، فقال يحيى: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك قد وفدوا عليك؛ وهم فصحاء الناس؛ فاسألهم، فقال يحيى: أنصفت، وأحضروا فسئلوا، فاتبعوا الكسائي، فاستكان سيبويه، وقال: أيها الوزير، سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري عليه، وكانوا إنما قالوا: الصواب ما قاله هذا الشيخ؛ فقال الكسائي ليحيى: أصلح الله الوزير! إنه قد وفد إليك من بلده مؤملاً، فإن رأيت ألا ترده خائباً! فأمر له بعشرة آلاف درهم؛ فخرج إلى فارس[8].



والشاهد في القصة قول سيبويه ليحيى البرمكي أيها الوزير: (سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري عليه) لأنهم عرب خلص ومن كان على شاكلتهم كان لمعاني القرآن أعرف، وبتفسيره أعلم، ومع ذلك لا يجوز لهؤلاء أن يفسر أحدهم القرآن برأيه، فضلا عمن بعدهم ممن قل علمهم، واعوجت بالعجمى ألسنتهم، وما عاصروا التنزيل، وفاتهم معرفة أسباب النزول.



ولقد كان السلف عليهم رضوان الله من أشد الناس تحرجاً في تفسير القرآن، مع غزارة علمهم، وجودة قرائحهم، واستقامة لغتهم، فعن إبراهيم التَّيْمِي؛ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سُئل عن قوله: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾[9].



فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.



وعن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾[10].



فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأَبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.



وعن ابن أبي مُلَيْكَة: أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها.



وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: سأل رجلُ عبد الله بن عباس عن ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾[11].



فقال له عبد الله بن عباس: فما ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾؟ [12].



فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.



وعن الوليد بن مسلم، قال: جاء طَلْق بن حبيب إلى جُنْدُب بن عبد الله رضي الله عنه فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرِّج عليك إن كنت مسلمًا إلا ما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني.



وروى مالك عن سعيد بن المسيب: إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا.



وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.



وعن يزيد بن أبي يزيد، قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع.



وقال عبيد الله بن عمر: لقد أدركتُ فقهاء المدينة، وإنهم ليعظِّمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.





وقال هشام بن عُرْوَة: ما سمعت أبي تَأوَّل آية من كتاب الله قط.



وقال مسروق: اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله.



قال ابن كثير رحمه الله: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها، الواردة عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به؛ فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعًا، فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ﴾[13].

 

مِنْ صُوَرُ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ: (ادعاء النبوة):

وَمِنْ صُوَرِ القولِ عَلى اللهِ تَعالى بِغَيرِ عِلمٍ أن يقول العبد: ﴿ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ وهذه الصورة أعظم صور القول على الله وأشدها خطراً، وأبعدها في الضلالة أثراً، ولا يفعل ذلك إلا من طمث الله على بصيرته، وأعمى قلبه، لذا توعده الله تعالى بالخسران في الدنيا والآخرة.



قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾[14].



 



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ما رأيك بأداء الرئيس الأمريكي جو بايدن في عام 2021 ؟