من أين أتى العهد القديم بقصة إغواء الحية لآدم وحواء ؟ بقلم ياسمين عماد

 " عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ " (تكوين 14:3)

עַל־גְּחֹנְךָ֣ תֵלֵ֔ךְ וְעָפָ֥ר תֹּאכַ֖ל כָּל־יְמֵ֥י חַיֶּֽיךָ׃" (בראשית 3:14).

ماذا يتبادر إلى ذهنك عند قراءة تلك الجُملة ؟ 

- كيف يأتي فعل السعي مع الحية ؟! وهل الحية تأكل ترابًا ؟ 

فالسعي يرتبط بكل ماهو ذو أرجل وبالأخص البشر ، وتزحف الحية على بطنها ولا تسعى وتلتهم وتلدغ ولا تأكل ، فهل من الممكن أن تكون الجُملة مجرد مجازًا أدبيًا  ؟

 حسنًا سأدعك تَعرف الإجابة بنفسك في النهاية . 

يذكر العهد القديم بسفر التكوين الإصحاح الثالث أن الحية قد خدعت حواء وتحدثت معها وكانت سبب الإغواء  : ( وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» ) . ويأتي بقية الإصحاح الثالث ببقية الحديث بين الحية وحواء. 

 فكيف ايضاً تتحدث الحية مع حواء ؟ وبأي لغة تحدثت معها ؟ وهل كانت تعلم لغة التحدث مع البشر ؟ مع التأكيد على انها احيل  حيوانات البرية ، فقد الصق العهد القديم افعال بالحية لا يقوم بها الا كائن له أرجل ويتحدث بلسان ولغة يعلمها جيداً ! 

تأتي أول ثغرة لتفتح لنا الباب في الفقرة الأولى وكذلك بقية الفقرات من سفر التكوين الإصحاح الثالث النسخة العبرية حيث نرى أن الفعل عندما تحدثت الحية مع حواء جاء بصيغة المذكر ( וַיֹּאמֶר وقال)  وليس مؤنث كما نراها ف الفقرة الفائتة بالعربية ( فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ ) ، فهل الحية مذكر ؟ فكيف فسر مؤرخي العهد القديم تلك الثغرة بأن يأتي الفعل في الترجمة العبرية بصيغة المذكر " وقال וַיֹּאמֶר " مع أن المُتحدث وهي الحية انثى فكان من الأولي أن تكون ترجمتها في العبرية " ויאמרת  وقالت " مثل العربية !  

برر مؤرخي ومُفسري العهد القديم ذلك بأن المقصود بكل هذه التناقضات أن الشيطان قد تلبس الحية وهو من كان يتحدث إلى حواء وقام بخداعها وإغواءها  . 

لماذا يلجأ الشيطان أن يتلبس الحية وهو بالفعل قادر أن يهمس ويوسوس لحواء وآدم دون أن يُقحم الحية في الأمر ؟ وهذا بالفعل ما اثبته تناقض آخر حيث اكدت المصادر العبرية أن اسم الحية بالعبرية נחשׁ يهمس أو يوسوس ، إذن فإن فعل الوسوسة مرتبط بالشيطان وليس الحية . وكيف لم تفزع حواء عند رؤيتها لحية تتحدث معها وتعاملت مع الأمر كأنه طبيعي !

واذا كان الأمر مجازياً واسقاط للشيطان ، فلماذا لم يتم ذكر صراحة ان الشيطان من قام بالتحدث معها واغوائها مثلما جاء مثلاً في سفر الأيام الأول! 

فمن اين اتوا الإيحاء بوجود الحية ؟ 

في الميثولوچيا الكنعانية كان هناك الإله " إل אל " وهو الرب الأعلى ( الخالق) فحدث أنه على جبل أرارات عارض الإله الشرير حورون ( الشيطان ) سلطة الرب فعُوقب بالطرد من الجبل وعندها سمم شجرة الحياة ، ثم يأتي دور آدم وهو إله في تلك الأسطورة أُرسل إلى الأرض لوضع حورون عند حده، لكن استطاع حورون الشرير المَكر بآدم وأذيته فقد حوّل حورون نفسه إلى ثعبان سام ولدغ آدم مما أدى إلى خسارته لطبيعته الخالدة. وقتها قامت جميع آلهة الكرمة المقدسة بالإجماع على تعزية آدم لما أصابه من حورون فقدمت آلهة الشمس له امرأة طيبة القلب " حواء " لتستمر البشرية ويسترد آدم بعضاً من طبيعته الخالدة . 

نعلم جيدًا أن اليهود قد تم سبيهم إلى بلاد بابل وآشور فيما يعرف تاريخيًا بالسبي البابلي الآشوري ، فقد احتكوا حضاريًاوثقافيًا بالحضارة الكنعانية ونقلوا الكثير من معتقداتهم الدينية وآلهتهم وبعد الرجوع من السبي البابلي بدأ اليهود تجديد خطابهم الديني بالكامل ، ومن هنا جاء التأثر بفكرة وجود الحية ووضعها في التوراة ، بل أن حتى الإله ( إل ) أخذوه منهم وجعلوه إلوهيم אלוהים .

يرجع مصدر تلك الأسطورة الكنعانية وكذلك أسطورة الخلق ، لإكتشاف تم في عام 1929 م بسوريا حيث تم العثور على لوحين منفصلين من الطين باللغة الأوجاريتية وتعود للقرن الثالث عشر ق.م ، وقام بدارسة اللوحين مارغو كوربل ويوهانس دي مور الأستاذ الفخري في جامعة اللاهوت البروتستانتية في أمستردام.

فلم يرد ذِكر للشيطان تمامًا في أي من المصادر العبرية او المخطوطات ما قبل عصر المنفى إلى أرض بابل سنة 586 ق.م. إلى أن تم ذكره بالتسمية في عصور متأخرة بعد كتابة اسفار موسى الخمسة . فقد كانت فكرة الشيطان تذكر بالوصف وليس بالتسمية الصريحة له " شيطان " وقد احتاج الأمر من اليهود إلى وقت طويل لتصبح الحية بحيلتها ومكرها مجرد رمز للشيطان كونه ملك الحيل والمكر ، وليس رمزًا مستقل بذاتها كما في الأساطير الكنعانية القديمة حيث كانت تدل على الشر والحيلة والمكر ونقلها عنهم اليهود بالفعل وقاموا بتطبيقها ، فمثلاً في احداث سفر التكوين عن الإغواء لم يتم ذكر الشيطان صراحة كما وضحنا ولكن برر مؤرخي العهد القديم وجود الحية بالزعم أن الشيطان كان يتلبسها وذلك بعد أن ظهرت فكرة الشيطان في فترات متأخرة بعد الأسفار الخمسة الأولى ، ولكن ظهر اسم الشيطان صراحة لأوووول مرة في الإصحاح 21 من سفر الأيام الأول حول قصته مع إغواء داوود .

ونرى كذلك رواية أخرى عن الحية في أسطورة جلجامش السومرية بإختصار :  كان جلجامش يبحث عن الخلود في عُشبة الحياة الأبدية التي دلته عليها زوجته أوتنابشتم. وذهب جلجامش لدلمون أرض الخلود ووجد مطلبه وقطف العُشبة السحرية وعند عودته رأى جلجامش بركة ماء نزل فيها واستحم بمائها ، فتشممت الحية رائحة العٌشبة ، فتسللت وصعدت من الماء خطفتها . واثناء عودتها تجدد جلدها ، فجلس جلجامش وبكى .

ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم لم يذكر تمامًا تمامًا أن الحية ايضًا هي من اغوت آدم وأن الشيطان كذلك كان يتلبسها كما ورثوا لنا بالكتب وتناقلها الناس شفهياً بدون تدليل ، فما ورد عن قصة الحية هو مجرد إسرائيليات وسموم مدسوسة لنا بالكتب محاولة لإثبات صحة رواية العهد القديم عن وجود الحية بروايتهم .

{وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ* قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} .

وبهذا قد رأينا كيف تسللت أحيل حيوانات البرية للعهد القديم.




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟