تركيا : حسابات الداخل والخارج في انتخاباتها القادمة

هذا العام ستشهد العديد من الدول انتخابات تشريعية ورئاسية مهمة، والبعض منها لن تقتصر تداعيات نتائجها على الوضع الداخلي لتلك الدول،




 بل ستطال المشهد السياسي العالمي. لذا، ليس من المبالغة اعتبار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا هذا الربيع بأنها الأكثر أهمية لها وللعالم.

يحكم الرئيس رجب طيب أردوغان البلاد منذ عقدين، وقد استطاع الفوز في نحو 10 استحقاقات انتخابية على التوالي، لكنّه يواجه الآن أصعب تحد انتخابي على الإطلاق، في وقت تتّحد فيه أحزاب المعارضة على اختلاف توجّهاتها السياسية للإطاحة به.

أضحت تركيا في ظل حكم أردوغان لاعبا مؤثرا على الساحة الدولية وقوة عسكرية واقتصادية صاعدة. وبالنظر إلى انخراطها العسكري في عدد من الصراعات المحيطة بها، والدور المؤثر الذي تلعبه كقوة توازن بين روسيا والغرب في الصراع على أوكرانيا، وأهميتها المتزايدة في جغرافيا الطاقة العالمية، فإن ما ستُفرزه صناديق الاقتراع سيكون له آثار عميقة على الداخل من جهة، وعلى محيط تركيا الإقليمي ومكانتها في عصر التنافس الجيوسياسي العالمي من جهة أخرى.

قاد أردوغان تركيا خلال العقدين الماضيين نحو تحولات هائلة أعادت تشكيل هويتها في معظم النواحي، من النظام السياسي الذي حوّله من برلماني إلى رئاسي وتريد المعارضة إعادته إلى برلماني، إلى إعادة الاعتبار للهوية المحافظة للمجتمع والدولة على حساب الهوية العلمانية، مرورا بالاقتصاد وعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني قبل انهيارها في عام 2015، وإطلاق مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وصولا إلى تبني مفهوم جديد للأمن القومي يرتكز على تحويل تركيا إلى قوة عسكرية قائمة بحد ذاتها، وتوسيع دورها العسكري الخارجي، وتطوير مفهوم المجال الحيوي والعمق الإستراتيجي بتبني عقيدة الوطن الأزرق واستعادة الروابط التاريخية مع العالم التركي في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.

لذلك، لن تكون هذه الانتخابات اختبارا لقدرة أردوغان على البقاء في السلطة بقدر ما ستقرر ما إذا كانت تركيا ستُعيد تشكيل هويتها بعيدا عن إرث أردوغان. وبالنّظر إلى أهمية الاستقرار السياسي خلال حكم أردوغان في بناء النهضة الاقتصادية التركية وتعظيم الدور الخارجي لتركيا، فإن أكثر ما يستدعي الاهتمام في انتخابات هذا الربيع هو مستقبل هذا الاستقرار.

في حين أن أردوغان لا يزال قادرا على مواصلة هذا الاستقرار، فإن أداء تحالف المعارضة حتى الآن لا يُظهر أنه قادر على تحقيق الاستقرار السياسي فيما لو وصل للسلطة. قدمت المعارضة مشروعا عريضا بالعودة إلى النظام البرلماني، لكنها لا تزال عاجزة عن التوافق على مرشح رئاسي مشترك لمنافسة أردوغان. كما أن النقاشات بشأن كيفية إدارتها للبلاد تُظهر أيضا أنها ستكون أقل براعة في إدارة السلطة مما هو عليه الحال في معارضتها.




إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهو سبب كثرة حوادث اطلاق النار في أمريكا ؟