كتب سعدالله بركات : روّاد من بلدي ... أبو نبيل

ربمّا يحسب البعض ، أن الروّاد الذين أقصدهم في عنوان مقالتي ، من طينة روّاد هذا العصر ، حيث الحديث يترى عن ريادة الأعمال ، أو الريادة في علوم الفضاء أوالإبداعات التقنية المتسارعة ، ولكنّ من أقصدهم كانوا روّاد ألف باء التعلّم فأثّروا في محيطهم ومجتمعهم ، تأثيرا ملموسا ،بما يرتقي بهم إلى مصاف الريادة علميا ومجتمعيا ، قياسا بالمعاناة والظروف المعيشية التي تجاوزوها ، بما فتحوا من آفاق أمامهم والأجيال ، مثل كثيرين في غير مكان وفي غير مجتمع وزمان .

روّاد عصرهم كانوا في محو الجهل والأمّية ، روّاد فضاء ...نعم.... لكنّه فضاء صحراوي ، استنبتوا فيه غراس علم ومعرفة ، فقهروا تصحر العقول قبل دحر تصحّر الحقول ، وعنيت هنا "كوكبة معلمين " - الصورة تضمّ أغلبهم – وقد تتلمذت على يد معظمهم – كما عنيت كلّ من شابههم دورا تنويريا ، وظروف حياة وبيئة ، فهم أنموذج ،لمن تنكّب، مطالع القرن الماضي ، سلاح التعليم في مقارعة الجهل بل التجهيل والتخلّف الاستعماريين اللذين مورسا ، عن إهمال أو عن قصد ، على أجيال وأجيال ، عبرقرون وقرون .

مفهوم الريادة هنا ، لايقتصر فقط عمّن بادر ، إلى التعلّّم والتعليم وفتح نوافذ الحياة لأبناء "صدد" وجوارها ، بل ينسحب على الأهل الذين شجعوا ، حيث أنشئت المدرسة بجهود أهلية في رحاب الكنيسة ، وحيث تنامت الجهود التطوعية لبناء مدرسة ابتدائية رسمية قبل بناءمدرستين وترخيص إعداديتين فثانويتين أهليتين، في أواسط القرن العشرين .

وهكذا صارت بلدة "صدد " التي توسّدت كتف بادية حمص ، وناطحت ظروف القحط وقلّة الموارد ، بؤرة إشعاع تعليمي حتى راحت تستثمر في أبنائها ، فعمّ الربح الجميع وطال فيئه المنطقة ومحيطها ومجتمع الوطن بكل مناحيه.

ذلك أن العديد منهم ، أدّوا الرسالة ، في أنحاء سورية وخاصة في مدارس ريف الحسكة ، فيما بعض تلامذتهم أكملوا المهمة في ريف حلب ودمشق وحمص، وفي العقد الآول من هذه الألفية كان نحو70 معلم ومعلمة من أبناء البلدة في مدارس الجوار ، وثمّة من حمل الرسالة إلى الجزائر وليبيا واليمن والخليج ، لكنّ عديد الخريجين برعوا في الطب والهندسة وغيرهما ، يدينون لهم ولمن تتلمذ على أيديهم بالعرفان ، وقد توزعوا بالآلاف على مختلف ميادين العمل و ربوع الوطن .

أغلب روّادنا انتقل إلى رحمته تعالى ، أمدّ الله بعمر الأحياء ، ولكلّ منهم قصة كفاح ونجاح ، مؤخرا رحل " الأستاذ تامر بجور " - الثاني في يسار الصورة - ، في تميّز قصته نموذج ، هو مثلهم ولد لأسرة فلاحية ، تعتاش من عرق الجبين ، معتمدة على ماتجود به السماء في منطقة خارج خط المطر!!!، ومن مدرسة البلدة إلى مدرسة كنسية في زحلة - لبنان..



هو أول خريج جامعي في البلدة ، نال إجازة في الأدب العربي ،عن أطروحة تناولت الشاعر" عمر بن حطان" من الجامعة السورية عام 1957 ، و عن أطرووحته " طريقة القالي في الأمالي " نال دبلوم التعليم الثانوي من الجامعة نفسها عام 1958، من نتاجه المبكّر: مسرحية فكاهية مثلت في البلدة ، وأخرى بالفصحى ، فضلا عن دراسات تقييمية لمؤلفات ونتاجات مواهب شعرا ونثرا ، ومن أسف لم يلج " أبو نبيل" ميدان النشر ، مكرسا جهده لمهنة عشقها متفانيا فيها على مدى نحو أربعة عقود .

أسلوبه الفريد في تدريس النحو والإعراب على شكل قصص وحكايا يشخّص وقائعها ، كان جاذبا وشيقا ، وفي البال درس وحيد تطوع به لملء فراغ ، حين كنا طلاب شهادة إعدادية عام 1965 ، وكان مديرا ويدرّس صفوف الثانوية .

وأمّا آثاره من الكتب والمخطوطات السريانية ، فتزخر بها كنائس البلدة ، وفي حمص دمشق وبيروت ،

كان رائدا بل أستاذا في الريادة المجتمعية كما في العلم والتعليم، تفانى في عطائه للاجيال مثل عديدين ، نفتقده اليوم قامة معرفية واجتماعية وتربوية وطنية ، وعلما في القيم ومودة الناس ، نفتقد ابتسامته وحبّه الخير للجميع ، فقد كان "أبا نبيل " عن حق وحقيقة ، وأمّا تعلّقه ببلدته ، فمثال لارتباط المرء بالأرض ، لم تغره مباهج المدينة ، بل كانت متعته ، تتعاظم حين يصابح زيتونة غرسها وسقاها بعرق الجبين ، قبل أن يصابح طلاّبه ،ليرعى غراس العلم في أذهانهم ، فيستكمل متعته وهويرى أزاهيرها تتفتح ، قبل أن تؤتي أوكلها للأهل والمجتمع .

ولئن كانت مناسبة الصورة أعلاه ، مبادرة تكريمية مشكورة من ابن البلدة ،نيافة مطران حمص سلوانس بطرس النعمة ، فقد كرّم أبونبيل وآخرون في احتفالية أبي فراس الحمداني بصدد قبل عقد ونيّف ، وكان في النيّة - ولعل ّ- تكريم البقية .



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟