كتب عادل نديم أحمد من سوريا : أطماع الخارج وتهافت الداخل وأثرهما على الأزمة السورية

لثلاثة آلاف وخمسمائة عام تقريبا وسورية الطبيعية كمنطقة جغرافية تعيش تحت هاجس الغزو من جيرانها سواء من الجنوب / مصر الفراعنة / أو من الشمال والشمال الشرقي / ممالك بلاد ما بين النهرين من بابلية وكلدانية وآشورية / وهذا الأمر ذاته حصل مع الرومان والفرس كما مع الحروب الصليبية ، وفي عصرنا الحديث ، حصل مع وبعيد الاستعمارين الانكليزي والفرنسي للمنطقة : بداعي الهيمنة التي تحقق الأمن العسكري والاقتصادي والسياسي باعتبار أن هذه المنطقة تشكل ليس السلة الغذائية الأهم في الإقليم وحسب ، بل هي تتمتع بموقع جغرافي ذي أهمية استراتيجية بالغة الحيوية للممالك الغازية .

وفي كل مرة تم التدخل العسكري فيها ، كان ينتهي إلى تقسيمها بحكم الأمر الواقع كانعكاس لنتائج العمليات الحربية . وكانت لحظات التقاط الأنفاس والهدوء بالنسبة إليها ، تتحدد بمدى وبعيد التعاون والتنسيق مع واحدة من القوتين الجارتين .

اليوم ، وبعد انفجار الأزمة السورية في العام 2011 م وبفعل التراكمات الكمية لأزمة داخلية طاولت ميادين السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ، وما رافقها من تدخلات خارجية ، تحولت هذه الأزمة إلى حرب كونية اشتركت فيها عشرات الدول على شكل حرب داخلية بين أطراف مدعومة بالمال والسلاح وحتى الرجال من الخارج . حرب عبثية شكلا ولكنها ممنهجة ومدروسة ضمنا ، من حيث نتائجها التي أدت فيما أدت إليه ، إلى تدمير سوريا ككيان ودولة ، كما جرى مع العراق سابقا . لقد صبت هذه الأحداث وتصب في خدمة أمن ومستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة كما لتحقيق مصالح الدول المتدخلة اقتصاديا وسياسيا فيها .

ويبدو أنها ككل الأزمات الكبرى التي تطول وتصل إلى درجة يستحيل فيها الحسم العسكري لصالح أحد الطرفين ؛ ستشهد تسوية سياسية تنتهي بها - إضافة إلى ما تحقق من أهداف ؛ وزيادة على القتل والتشريد والتهجير والجوع والمرض المرافق لها – إلى التقسيم ، ولو أن شكل هذا التقسيم ومضمونه غير واضحين تماما حتى الآن . فسوريا الكبرى التي خسرت عبر تاريخها الحديث أجزاء كثيرة منها ، كان آخرها لبنان ولواء الاسكندرون _ دون أن ننسى الاحتلال الصهيوني للجولان _ معرضة اليوم أكثر من أي وقت مضى لمثل هذا التقسيم وبالتالي خسارة أجزاء جديدة من الأرض السورية . فأي الأجزاء ستكون التالية ، أو أية محاور هي التالية على الأجندة الخارجية . هل هي الأرض والسيادة أم الشعب أم الاثنان معا أم كل ذلك مجتمعا ؟؟؟.

وعلينا ألا ننسى الطارئ الجديد نسبيا على الأزمة السورية ، ونعني به الإرهاب الذي تفشى وتغلغل داخل الأرض السورية وصولا إلى اقتطاع مساحات جغرافية كبيرة _ ولو متباعدة _من الجغرافيا السورية تحت مسميات الدولة الإسلامية في العراق والشام أو جبهة النصرة ( فتح الشام ) ، بحيث بات أمرا واقعا وخطرا ماثلا على الأرض السورية وفي المنطقة والعالم . ولأن هذا الخطر استشرى وتعاظم فقد باتت مكافحته أولوية مطلقة لمعظم الأطراف . وهذا لن يتم ويكتمل إلا بتوحد قوى جميع الأطراف داخلية وخارجية في محاربته ، وهو ما يستلزم بدوره اتفاقا في الرؤى لقوى الخارج وتسوية سياسية بين أطراف الداخل . 

إن ما هو مطروح الآن كما منذ وقت مضى يشي بأن التسوية المقترحة والتي يحضر لها وان كانت تحقق مصالح الأطراف الخارجية كافة ، إلا أنها لن تكون في صالح الشعب السوري أو سوريا كوطن موحد لجميع السوريين .فما طرح في الماضي بشأن الفيدرالية ، وما يطرح اليوم بشأن الدستور والمناطق الآمنة ، لهي تعبير بالغ الدقة عن المآلات التي تحدثنا عنها فيما لو كتب لها النجاح . إن التسوية التي تحمل هذه التوجهات وبدلا من إعادة اللحمة للجغرافيا والشعب السوريين عبر توحيد الكيان السوري المجزأ واقعيا ؛ فإنها ستؤسس وتضع السند القانوني والدستوري وبالضمانات الدولية لفرط عقد الجغرافيا السورية في قادم الأيام غير البعيد .

ولأننا وصلنا إلى وضع ميداني بات فيه التواجد الخارجي داخل الجغرافيا السورية ليس أمرا واقعيا فحسب ، بل هو سيدخل في صلب الاتفاقات التي سيتوصل إليها المتفاوضون سواء عبر جنيف أو غيره .
ولأن الأطراف السورية لا تزال متباينة المواقف ومتعارضة الرؤى ، ولأن كلا منها يسعى إلى تحقيق رؤيته للحل مع علمها بأنها لا تستطيع ذلك بدون تحقيق التوجهات السياسية والمصالح الاقتصادية للدول الإقليمية الداعمة لها فان هذه القوى مجتمعة لا تزال تخضع لعملية ترويض وإقناع وتقبل من الأطراف الدولية ، وبالتالي فإنها لا تزال تشاغب هنا أو هناك وبين حين وآخر كشكل من أشكال عرقلة الحلول ووضع المسامير في دواليبها ، وليست التفجيرات الإرهابية الأخيرة في حمص والتي قامت بها جبهة فتح الشام بخارجة عن هذا الإطار . 

لذلك فان السيناريوهات المقترحة غير قابلة للتحقق أو النجاح في الوقت الراهن . ولذلك أيضا فان جنيف 4 لن يستطيع تحقيق اختراق حقيقي نحو التسوية ( وان كان يشكل خطوة متقدمة إلى الأمام ) ، بل سيحيل ذلك ( على الأغلب ) إلى أستانا 3 كمحطة وسيطة أخرى نحو جنيف 5 .



هذا كله يتيح للسوريين ( سلطة ومعارضات بدلا من هدر الوقت والإصرار على هدر الفرص ) فرصة الاستفادة من تجارب التاريخ وعبره ، بأن تفيء معا إلى شعور وطني جامع عبر توحد الرأي حول أهم القضايا المصيرية مما يساعد بالاحتفاظ بوحدة الوطن ( جغرافيا وشعب ) وبالتالي يفتح الطريق أمام جدول من السلام والصفح والتسامح بين السوريين كافة ، ويؤهلها ويجعلها مقبولة من السوريين لقيادة البلاد نحو مستقبل جديد ومفتوح .

وإذا كان السوريون (بعد أن فقدوا قدرة الفعل الحقيقي في الأزمة بعد تدويلها) لا يستطيعون إرغام الأطراف الخارجية على انجاز حل يخدم المصلحة السورية ، فان تنازلات عميقة ومتبادلة ، ووحدة في الوقف بين السوريين حول قضايا الهوية ووحدة الوطن أرضا وشعبا وباشتراك فعال من مواطني سوريا وفعالياتها على امتداد الأرض السورية، قد يجعل الخارج بدوره يتنازل عن بعض رؤاه ويساهم مجبرا في تحقيق تسوية تحفظ لسوريا استقلالها وسيادتها .

أول الأولويات في أجندة الأطراف السورية يجب أن تخضع لهذا المعيار ، والذي وحده سيبقي سوريا ويحميها من التقسيم .




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

هل تستمتع برعب المشاهير وأنت تشاهر برنامج المقالب " رامز تحت الأرض "




Hawana Arabi هوانا عربي is on Mixlr