كتب/عادل عبد الله تهامي : قراءة نقدية لقصة بياض قاتل للكاتب المغربي : رحال امانوز


عادل عبد الله تهامي   

البياض يعم المكان،جدران الغرفة الأربع  السقف الذي يتدلى منه مصباح أبيض، السرير الذي يتمدد فوقه منذ أيام خلت لا يعرف عددها،والطاولة القابعة بجانبه. ستائر النوافذ، الكل يتشح بالبياض القاتل.

وهو غارق في عزلته، انعدم لديه مفهوم الزمان والمكان، كأنه معلق بين السماء والأرض، يحاول تحريك أطرافه العليا دون فائدة ،الأطراف السفلية فقد السيطرة عليها، لا يعرف منذ متى ولا كيف حدث هذا، يقضي أوقاته بين النوم واليقظة، يغمض عينيه تارة ويفتحهما تارة أخرى، لا يسمع في الغرفة إلا رجع صدى تنفسه البطيء، وأنين خافت ينبعث من بين ضلوع متهالكة، أحيانا ينتابه سعال.

بين الفينة والأخرى يقتحم عليه المكان شبحان يغطيهما البياض، لا يظهر منهما سوى عينان جاحظتان، يعبثان بالجسد الهزيل كما شاءا، يلقيان نظرة على جهاز بجانب السرير يصدر أزيزا لا يتوقف. يحركان بعض الخيوط، ثم ينسحبان من المكان في صمت، يحركان رأسيهما حركات ذات معنى، ايماءات لايعرف دلالتها غيرهما، يغلقان الباب خلفهما ويختفيان.

ألامه تشتد وأنينه يزداد.. يحاول الفرار من هذا المكان اللعين.. يخيل إليه أنه رمي به في قبر، لكن هيهات ثم هيهات. لقد ربطت أطرافه الأربعة بوثاق مع السرير...!
من يفك أسره؟
 من يعينه على مغادرة المكان؟
 من يخلصه من هذه الخيوط الملتفة حول جسده؟
 أكثر ما يزعجه هذا الأنبوب المتصل بأنفه، يكتفي بتحريك مقلتيه في كل الاتجاهات.. غارق في بحر من البياض.

وفجأة بدأ يحس إحساسا غريبا، دبيب يعبث بقدميه..قواه بدأت تخور. 
أزيز الجهاز شرع في الإضمحلال. 
المكان يدور به.. تذكر الأرجوحة التي كانت تدور به عندما كان طفلا.
 البياض يستحيل إلى سواد. 
الأرجوحة تدور وتدور وتدور.
 غاب عن الوجود..دخل الشبحان الغرفة والجهاز توقف عن العمل ..تأملاه جيدا. أغلقا العينين والفم، غطيا الوجه بغطاء أبيض، حملا الجثة إلى الطابق تحت الأرضي...!

رحال أمانوز - المغرب 

(الرأي)

اللون الأبيض له دلالات:

دلالات إيجابية:
 في علم النفس يرمز اللون الأبيض إلى النقاء، والبراءة، والبدايات الجديدة، والصفاء، والنظام، والكمال، ويُعطي شعوراً بالهدوء والاتساع الذهني والوضوح، والنظافة وربما الخير.

دلالات سلبية:
 قد يُفسر سلباً كالعزلة، والبرود، والفراغ، أو القسوة.

طبيا:
يُستخدم بكثرة في الطب لإحساسه بالنظافة والكفاءة والبساطة.  

ثقافياً: 
في بعض الثقافات يرمز للحداد والموت (مثل الصين)، بينما في الغرب يرمز للزواج والحياة الجديدة. 

دلالات العنوان:
اقترنت كلمة بياض بكلمة قاتل وهنا نعرج نحو الدلالات السلبية للون الأبيض. 

طغيان اللون حتى لا نرى غيره يفقده الشغف ويتحول من معنى إلى معنى مضاد. 
كلمة (كل) جعلت اللون يشيع في المكان بصورة طاغية مما يلقي بظلاله على الروح المعنوية. 

تصوير المشهد:
غرفة بجدران أربع وسقف يتدلى منه مصباح يشع ضوءا لونه أبيض ،وجسدا ملقى فوق سرير يتشح بالبياض وحتى من يدخل الغرفة يكونون برداء أبيض. 
الصوت الذي يخترق السمع هو مجرد أزيز جهاز معلق بالسرير..! 
صمت مطبق وكلام بالإيماء ،وجسد بلا حول ولا قوة ساكنا دون حركة. 

تكثيف الوصف:
عرج الكاتب نحو الجسد الممدد على السرير فذكر حالته :
قدمين لا يستطيع تحريكهما. 
وذراعين فقد السيطرة عليهما. 

شعور داخلي :
وسط الغرفة التي تتشح بالبياض 
يرقد الجسد دون حراك متصل بجهاز
تنفس صناعي يصدر الأزيز. 
عقلا لازال يدرك بضبابية مايدور حوله
يرتبط بعينين ذابلتين ترى بالكاد ،يفكر
في الهروب من زنزانته ولكنه يفتقد الأدوات التي تعينه في تنفيذ خطته. 

الإستسلام التام:
نرى صراعا داخليا يبتدعه الكاتب يدور داخل غرفة تحكم للجسد المسجى ، والصراع صامت حيث أنه لايتعدى النية
ولا يتخطى حدود المكان داخل تجويف محكم. 

التناص المشهدي:
تقفز صورة غزة إلى ذهني ومايدور فيها
من قتل وإبادة ممنهجة ، وأتصور الجسد العربي بموروثه الشعبي كأنه مثل ذلك الجسد القابع فوق السرير الأبيض بلا حول ولا قوة ، وتلك الأفكار التي لا تتعدى غرفة بأربعة جدران عن ضرورة الردع. 
أتألم من المقارنة التي تبدو منطقية وأتحرج من ذلك الرد السلبي..! 

جهاز الصدمات الكهربائية:
محاولة يائسة لإبقاء الجسد حيا ولكن
أزيز الجهاز يتوقف..! 

الموت نهاية حتمية:



إغلاق

تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

اختر "الشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيرا عام 2025"!