كتبت حنان بوشريط - ولاية مينيسوتا الأمريكية : غربة الشمس

غربة الشمس
لست اتذكر التاريخ الزمني لذلك اليوم لكني اتذكر كل لحظة الم و كل جرعة دواء لذلك اليوم. كل اوجاع جسدي رحلت لكن ندوبات روحي لم تلتئم بعد.

كان يوما طويلا او قصيرا لست ادري. هو يوم لم ينته بالنسبة لي لكن ماحصل كان حدثا قصيرا عابرا للاخرين. لم يعد يتذكره احد و لا اظنني ذكّرت به احدا على الاطلاق. كان يوما من ايام الشهر المعظم الذي لم اصم فيه يوما واحدا. لم استطع! رغم اني حاولت. لكني اعلم ان الله قد سامحني. اتذكر اني كنت استيقظ للسحور مع زوجي و نتسحر في صمت. كنت منهكة من قلة النوم، الام في ظهري تجمد حركتي كل ما حاولت. 



عشرة ايام تفصلنا عن العيد، كان عليا ان افعل كل ما تفعله امي واختي و كل نساء بلادي و نساء المسلمين. هنا لا يوجد عيد هو فقط تاريخ نحاول الاحتفال به بالتقاط الصور. الفرحة كانت صورا هامدة لا حياة فيها مثل الشمس كانت صورة باهتة ترتسم في السماء كل صباح لا دفئ فيها و لم ار لها اشعة تُغمض لها عيني. شمس كانت نسخة مطابقة للاصل الا انها ليست شمسنا التي لا تستطيع فتح عينيك فيها. 

هي شمس نراها من خلف الزجاج قد تجردت من كل خصالها حتى انه علينا تناول مكملات فايتمين د لانها لا تجود به هنا في ولاية منيسوتا احدى الولايات المتحدة الامريكية.
ذلك اليوم كان ابني عمر قد تجاوز سنته الثانيه ببضعة اشهر يلعب و يمرح و يمارس شقاوة الاولاد عليَّ، يرفض رفضا تاما ان انشغل عنه يريدني ان العب معه و ان احمله و ان اطعمه و ان اغير له حفاظه لكني كنت منهكة. 
كنا لوحدنا في البيت الجديد لا يوجد جيران اعرفهم، حي جامد فيه منازل مغلفة لم ار بابا مفتوحا قط لكني كنت اعلم ان البيت الكبير هناك في الزاوية تسكنه عائلة تونسية. فقط في الغربة تصبح كلمة تونسي ملجأ لك، تحمل كل الحنين و الانتماء و الاصول و الجذور، لكنهم غرباء او ربما هم ايضا نسخة طبق الاصل عن الجار في حينا في تونس.  كنت اعلم انه لو حدث لي اي مكروه هم الملجأ الوحيد او القريب او الاول لست ادري يكفي انهم "توانسة" حتى اكتسب مشروعية الاتصال بهم.
فعلا اتصلت بكنتهم (زوجة ابنهم) 
- الو اسماء
- اهلا حنان
- هل تعرفين مستشفى قريب من هنا، انا جديدة في المنطقة لا اعرف اين اذهب؟
- نعم يوجد مستشفى استعجالي قريب، ماذا يحدث معك؟
- لا اعلم لكني انزف؟؟
- هل حان موعد ولادتك؟
- لا انا في الشهر الخامس!
- اذا لماذا تنزفين؟ هذا خطر على الجنين
- ساتصل بزوجي الان شكرا لك.
زوجي يعرف هذه العائلة هو صديق لابنهم، كانو قد استضافونا عندما جئت اميريكا تعرفت على امه و ابيه و زوجته و اختيه و اخيه. كنت فرحة جدا ببدأ حياة جديدة و التعرف على اناس جدد، اناس جدد تونسيين، اناس جدد تونسيين جيران لنا.

لم اكن اعلم وقتها ان حسن الضيافة و حفاوة الاستقبال لا يعنيان ابدا انني ساستبدل اهلي و جيراني و احبتي التي تركتهم بحرقة. كنت اتعرف على اي تونسي جديد بلهفة و شراهة علني اشبع حنيني و اشتياقي لبلدي علني أجمّل غربتي علني اعوض ما نزفته من حنان و مودة.

 تاخر زوجي قليلا حتى ياتي، اصبح النزيف اكثر غزارة.
ماذا يحدث هل سألد قبل موعد الولادة؟ لست جاهزة بعد لم انظف المنزل و لم اشتري اغراض المولود الجديد و عمر لم اشتر له لبس العيد بعد! فقط عشرة ايام او ربما تسعة ايام تفصلنا عن التكبيرات في التلفزيون ! من سيجهز حلويات العيد؟ لا توجد محلات لبيع الحلويات التونسية او العربية هنا.
اشتد الالم اكثر فاكثر، اتصل زوجي بمستشفى الولادة اخبرهم بما يحدث معي فاخبروه انا علي التوجه حالا لقسم الولادة: الجنين في خطر !

ادخلوني غرفة بيضاء شاحبة شحوب شمس ذلك اليوم و كل يوم انها شمس الغربة، باردة، جافة لا رجاء منها.
طلبوا مني تغيير ملابسي و طلبوا مني ان لا اقلق الطبيب قادم.
لست قلقة فالجنين يتحرك حبيبي، هو فقط متسرع ليراني، ربما كان يغار من قبلاتي لاخيه الاكبر عمر. 
انت ايضا يا صغيري ساحبك كثيرا و ساسامحك على كل هذا التعب.

وضعت الممرضة الشقراء البدينة ابرة المغذي في شريان يدي. نعم فقد كنت منهكة لا اقوى على الحراك. و اوصلت جسدي بحاسوب كان يحسب عليا دقات قلبي و يحدد كل النسب في جسدي كنت استمع لدقات قلبي و احاول التنفس اعلم ان الولادة ليست سهلة ابدا و يلزمها جهد كبير .
جاء الطبيب و بدأ بعمل الصونار هذا امر عادي يحدث دائما قبل اجراءات الولادة.
- سيدتي كيف حالك؟
- بخير شكرا.
- دعينا نر ماذا يحدث معك. متى بدأ النزيف، هل قمت بمجهود مرهق هذه الايام؟
و اسئلة اخرى تركت  زوجي يجيب عني لم اكن اتقن اللغة الانجليزية بعد!
فجاة سكت الطبيب. ثم خاطب الممرضة جهزوا غرفة العمليات في الطابق الثالث.
كنت اتبادل النظرات مع زوجي انتظر الترجمة. الا ان الطبيب انهى الصمت:
- لا يوجد نبض قلب للجنين، على الارجح الجنين قد مات!

لم انتظر ترجمة زوجي فقط فهمت ماقاله الطبيب و صرخت لا لا انه يتحرك و يركلني انت مخطئ و طلبت من زوجي الذي كان يحمل ابني عمر بين يديه ان يترجم للطبيب ما قلت.
كان الجنين يتحرك بداخلي كنت اشعر به في احشائي من المؤكد ان الطبيب مخطئ.

رن هاتف زوجي و خرج من الغرفة انه صديقه، جارنا قد اخبرته زوجته بمكالمتي فجاء ليأخذ ابني عمر الى منزلهم  لانه صغير يحتاج رعاية لن يجدها في المستشفى. فرحت جدا، فعلا انه الجار التونسي الاصيل حتى لو كان قد ولد هنا في امريكا و تربى و ترعرع في احضان المهجر  يبقى متعلقا بما تربى عليه من قيم  حتى لو كان بعيدا عن بلد امه لان امه كانت هي البلد، هي العادات و التقاليد، هي الانتماء و الجذور التي تطول بطول المسافات و تمتد بامتداد الاعمار.

فرحت لانها ايضا فرصة كي نُفعّل جرس الجيرة و يصير الشارع الذي يجمعنا يحمّل خطواتنا بالزيارات و المعايدات انه العيد بعد بضعة ايام.
عاد زوجي ليخبرني انني فقدت صغيري، استنكرت كل ماقاله لي فالجنين هنا في احشائي يشاكسني بضربات خفيفة، اصريت على تصديق ما اشعر به فاخذوني الى الطابق الثالث و اجروا لي فحوصات جديدة و تحاليل اخرى، جاءت الي ممرضات اخريات اجمل من الاولى تفحصن كل جسمي فقد كنت منهكة.

كان زوجي يمسك يبدي و نحن ننتظر النتائج ربما تحمل دليل خطأ الطبيب. كان ينظر اليا لا حول له و لا قوة لا يعرف هل يصدقني ام يصدق الطبيب الامريكي. انها امريكا ابدا لن يخطئوا التشخيص كما يحدث في تونس.
لم اكن اعرف ان زوجي امريكي المشاعر قبل اليوم، كيف تصدقهم كيف تسلم لهم كيف تتبعهم انهم غرباء، ام لعلهم هم الوطن و نحن الغرباء هل صار زوجي هو ايضا نسخة مطابقة للاصل نسخة امريكية متجمدة.

لازلت اشعر بنبض صغيري و هو يتخبط في احشائي عندما اكدت الفحوصات ان الجنين ميت منذ شهر و انني اعاني من تسممات داخل جسمي لذلك كنت منهكة جدا جدا في الاسابيع الاخيرة و كنت خائرة القوى.
ادخلوني غرفة العمليات، اما قلبي فاسرع يتشبث بعمر و يودع زوجي كانت حياتي في خطر، كان جنيني يرفض الذهاب من دوني كان لا بد من عملية قيصرية لاخراجه من احشائي لست ادري كم من الدمع ذرفت و كم من الدم نزفت لكن دمعي و دمي لم يكفا ابدا.

-امان رد بالك على عمر (ارجوك اعتن بعمر) اخر كلماتي عندما ودعت زوجي لادخل غرفة العمليات لاودع جنيني او ربما نرحل معا.
توقفت اللحظة وقتها و تلاشت كل النسخ المحيطة بي و انتهت الحياة. لا اعلم ان كانت قد انتهت في داخلي ام من حولي.

امي اين انت؟ امي صغيرتك تحتظر! هل حقا سارحل دون ان اراك؟ كنت اموت كل مرة اودعك فيها و اعود الى امريكا. كيف لي ان اموت دون ان اودعك امي ؟
امي لا تحزني ان مت ساترك لك عمر، فزوجة ابيه لن تحبه مثلك اخبريه ان اخاه الصغير يحتاجني اكثر منه.
امي كيف ستستقبلين الخبر ؟ انت التي ترفضين مرافقتي  الى المطار لانه يصعب عليك توديعي و فراقي. 
لا اظن بمقدورك زيارة قبري امي ربما ادفن هنا في امريكا و لن يزورني احد فليس لدي احد و لا اعتقد ان الزوجة الجديدة سترضى بذلك، لن تحبني ابدا.

فتحت عيني لم اجد الغرفة البيضاء و لا اصوات المعدات الطبية من حولي،  انها غرفة اخرى لا اظنني مت بعد. غرفة فيها نافذة تطل على الشمس  نعم انها تلك الشمس المزيفة مجددا. 
لا تزال الابرة في شريان يدي تؤلمني اكثر و جسمي يؤلمني اكثر و الدمعة متشبثة بطرف عيني و انا لازلت منهكة .

وجدت زوجي يبكي بجانبي - انها النسخة الاصلية - كان منهارا مكلوما ارتسمت اللوعة على وجهه بكل وضوح.
- الفايدة فيك انت الحمدالله الي قمت لاباس (انت اهم شي الحمد لله على سلامتك)
- هل كان بنتا ام ولدا؟
- لا نعلم بعد فقد كان متحللا.
- اين عمر؟
- لايزال عند الجيران

حتى الجيران نسوا ذلك اليوم و زوجي لا يريد تذكره، انا فقط من لم ينس ذالك اليوم الذي مرت عليه عشر سنوات و بعض اشهر و انجبت بعد ذلك الجنين احمد و مالك و صرت ام الاولاد التي تربطهم بالبلاد لا أظنهم سيكونون كاولاد تونس لكنني متاكدة من حبهم لها.
 لم استطع ظبط حبي و حنيني و تعلقي بتونس فوجدته قد نبت و ازهر و اثمر فيهم رغم صغر سنهم.
و لا تزال امي ترفض مرافقتي الى المطار كل ما دقّ موعد الفراق لا تودعني.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

هل استسلم دونالد ترامب وسيقبل بنتيجة الانتخابات ؟