كتب الدكتور نسيم الخوري / لبنان : كلمة الرئيس التي فجّرت الصبر في صدور اللبنانيين

غالباً ما يباشر رؤوساء الجامعات العالميّة بافتتاح العام الجامعي الجديد بخطبٍ تصبح وثائق وطنية وبرامج عمل وطنيّة مستقبليّة الآفاق والتأثير والتقدير. إشكاليات أن يصبح نص الخطاب مشدوداً كي لا أقول ممزّقاً بين السياسية والأكاديميا أمر حصل معي كاتب خطبٍ لمسؤولين كباراً ورؤوساء جامعات، الأمر الذي دفعني للإحتفاظ بالنسخ الأولى للخطب، وثائق قبل تنقيحها، كي لا أقول تشويهها بتعديلات التبخير والإسترضاء السياسي في لبنان.  

سأخرج نصي من زوايا لبنان المؤلمة إلى الجامعة. أوّلاً، لأنّ لبنان يضجّ بسفراء وقناصل ومبعوثي العالم نحو بلدٍ منهوك الأضلاع المتساوية بالإنهيارات الإقتصادية والكورونا وزلزال المرفأ وثانياً لأنّ الحرائق والثورات والمظاهرات والأزمات والحكومات الماضية والآتية هائمة عبر أنفاق مستوردة لتصرّيف أحزان اللبنانيين ومستقبلهم في مساحة من غابة عليّق سياسيّة كيفما تحرّكت فيها تعلق وتتعدّد المصائب والجروح وتنحسر الحريّة. 



ببساطةٍ كليّة، سأخرج في الواقع، إلى تعميمٍ أصدره رئيس الجامعة اللبنانيّة فؤآد أيّوب وربّما سها عنه معاني مفردة فؤآد الزاخرة بالمعاني أو هو لم يقرأ، ربّما، كفايةً عن صبر النبي أيّوب ماضياً وحاضراً. لذا أحفر لحبري للحكم بندرة العثور على لبناني قابلٍ بهذا اللبنان بصفته أيّوباً صابراً على سياسييه ومسؤوليه وحكّامه ومؤسساته ومدارسه وجامعاته. خارق من لم يسمع إنفجار الصبر في ذريّة النبي أيّوب في وجه لبنان الرسمي. لا قيمة لجامعة لا يكون خزّانها وحيويتها قائمين على الأسئلة والنقد وكشف العيوب الأكاديمية والوطنيّة.  

ماذا يقول تعميم د. فؤآد أيّوب، حامل الرقم 34، بعنوان "التوجيهات والارشادات الواجب التقيد بها من قبل الطلاب الراغبين بالتسجيل في الجامعة اللبنانية للعام الجامعي 2020-2021": 

"يطلب أوّلاً من الطلاب الذين يرغبون بالتسجيل الالتزام بعدم توجيه الانتقادات إلى الجامعة والمسؤولين فيها. وثانياً، "احترام سمعة الجامعة ومسؤوليها وأساتذتها، وثالثاً، عدم ارتكاب أيَ تجاوز تجاههم على شبكات التواصل الاجتماعي، أو عبر أيَة وسيلة من وسائل النشر المرئي أو المقروء أو المسموع أو المعلوماتي. ورابعاً وفي حال وجود شكوى، إرسالها إلى العنوان البريدي التاليShakwa@ul.edu.l  أمّا خامساً فيطلب "عدم بثَ الشائعات والترويج للأكاذيب، بغية الهروب من إتمام الواجبات المطلوبة أو إثارة الهلع لدى سائر الطلاب وأهلهم".  

عن أيّة سنةٍ جامعية وعن أيّ طلاّب أو أبناء عائلات مشردة مغمّسة بالمآزم حيث لا مال ولا مسؤولين بل فقر مدقع ومشاكل زوجية وعائلية وانتحارات وجنازات وقتلى وشهداء وجرحى ومعاقين وفشل التعليم الجامعي العام الماضي عن بعد، وتفاقم كارثة إنقطاعات الكهرباء والإنترنت وهجرة طلاب الجامعات الخاصة إلى الجامعة اللبنانية؟  

لقد سقط هذا التعميم الستاليني المرتجل يمهّد للسنة الجامعية 2021 في لبنان، على رؤوس الطلاب والأساتذة في لبنان، وكأننا في بلدٍ آخر لا علاقة له بتاريخ لبنان وكأنّ وطننا أضاع إسمه وكنيته وما عادت جامعاته تدرك رسالة الجمع في زمن التشظّيات، وكإنّي به بيان صادر عن رئيس جامعة في بيونغ يانغ يشرف عليها مجلس أمناء برئاسة كيم جونغ أون، كما وصفه أحد الزملاء على صفحته الفايسبوكيّة.  

لن يقوى الآباء اليوم ولا رؤوساء الجامعات أو رؤوساء الدول في العالم، على أبنائهم وأحفادهم إلاً بالإقناع والإبداع وفهم الكيانات والطاقات الطلاّبية الهائلة. لكل طالب كيان وشأن وسلطات ومخترعات. ففي أي عصرٍ يعيش أيّوب؟ قليلاً من الصبر على فلذات أكبادنا النازفة فطلاب الجامعات سيعيشون الحريّة وقد أسميته الفطام الخامس هؤلاء هم أعمدة الجامعات والأوطان ومستقبلها . كنّا ننتظر أن تنقر بسبابتك ، لتخبرنا، قبل أي شيء، عن أعداد الطلاب الذين سيتدفّقون على الجامعة اللبنانية في زمنٍ صعب وكارثي لم يعد يقوى لبناني أن يدفع أقساط الجامعات الخاصّة؟  

ألست تعرف أنّ أي إنسانٍ معاصر بإمكانه إنشاء مواقع مستعارة وبأسماء مستعارة وملاعب لا تنتهي من الذكاء الإصطناعي متجاوزاً نقد كبار المسؤولين وتهشيمهم سرّاً أو جهاراً وحتى إختراق أسرار أكبر المؤسسات والدول ورؤوسائها وتعريتهم؟ 

يكفيك يا زميلي، النقر بسبابتك على غوغل ليستقبلك مارك زوكيربرغ وهو من عمر أحفادك (14 أيّار 1984) ليشرح لك بأنّه عند تخرجه من أكاديمية "اكستر" في العام 2002، التحق بجامعة هارفارد وبدأ يقوم بعمليات تطوير في الجامعة رقم واحد على مستوى العالم حيث أوجد برنامجاً يسمى "كورس ماتش"، ساعد فيه الطلاب على اختيار صفوفهم بناء على اختيار طلاب النخب السابقين في الجامعة، وعندما بلغ العشرين من عمره أسّس الفيسبوك  الذي يغزو العالم اليوم. 

 إنّ الجامعة اللبنانية التي كانت تضمّ، العام الماضي على لسانك، 80874 طالباً و5467 أستاذاً و2834 موظّفاً، وهي بحاجة لألف موظف لتسيير 19 كلية ومعهداً منتشراً في 64 مركزاً على مساحة لبنان، وقد يبدو بعض هذه الجميعات( تصغير جامعة بضم الجيم) خجولاً جدّاً في الشكل والمضمون مقارنةً بالمدارس الإبتدائية الفارغة في الأرياف النائية وقد هجرها الناس إلى المدارس الخاصّة. وعليك أن تتذكّر أن 45 جامعة خاصة ومعهداً بمناهجها وبرامجها مستوردة من أنحاء الأرض، توزّعت طائفياً في أنحاء لبنان وصارت تجارة رابحة تفرّق الأجيال ولا تجمعها. 

أرسل لي الشهيد الحبيب المرحوم جبران تويني كلمة مع الصحافي اللمّاع عبدالله عبّود وفيها: "الجامعة، يا صديقي، أقوى من البرلمان"، والسبب تقديم ترشيحي للبرلمان وقد كنت أستاذاً جامعيّاً ومديراً لكليّة الإعلام. ولربّما رحمه الله كان الرجل على حق.  

لو إستشارفؤآد أيّوب اليوم مارك مارك زوكيربرغ بتعميمه لنصحه بالإعتذار قطعاً وفوراً من طلاّب لبنان والعالم إن لم يطلب منه أكثر، فهل نخنق أنفاس الأجيال والجامعات بعد، لطالما الفكر في بلادنا محكوم بسلطات ثالوث الجسد المقدّس وأعني بها الجنس والسياسة والدين؟ 




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟