كتب فؤاد الغرباوي / إيران : الإعلامُ المسيَّس.. حين تُمسي العاهرة أكثر منه شرفاً

من يستيقظ صباحاً ويأخذ جولته المعتادة في تصفح المواقع والقنوات الإخبارية العربية سيصاب بالدهشة والإشمئزاز معاً، نتيجة كمية الكذب والتضليل التي سيواجهها هذا المتصفح في تلك القنوات والمواقع الإخبارية.
إن الإعلام المسيَّس والمستأجر اليوم الذي تجرد السائرون في دربه من أبسط أخلاقيات شرف المهنة هو أشبه ببيت الدعارة الذي يحصل الزبون منه على ما يريد لقاء مبلغ من المال يدفعه لمن يتولى إدارة ذلك البيت.
وما نشاهده في وقتنا الحاضر من تضليل وكذب وإفتراء في إعلامنا العربي المسيَّس يؤكد حقيقة الدناءة التي وصل إليها القائمون على هذا الإعلام، فهذا الإعلام الذي يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً أصبح جديراً بنيل لقب العهر ومن دون منازع.
إننا وحين نُتْبعُ مصطلح الإعلام بمصطلح آخر وهو "العهر" فإننا نقصد بالعهر، الخروج عن الإطار الصحيح عبر فبركة الأخبار وتقويل الآخرين ما لم يقولوه وتزيين الباطل وتسويقه على أنه الحق بعينه وطمس الحقائق وتغييبها عبر إستخدام كافة الوسائل التقنية والعلمية المتقدمة و توظيفها للوصول إلى الغاية التي غالباً ما تكون خالية من الشرف والموضوعية.
المعروف عن العهر الإعلامي أنه يبرز إلى الساحة في أزمنة الحروب والنزاعات والصراعات، وكذلك في ظل الحكومات الشمولية التي تخلو منابرها الإعلامية من مجال للإعلام النظيف وذلك قياساً بالمجال الذي يحصل عليه الإعلام غير النظيف وهو الذي يحظى دائماً بالمجال الأكبر.
وقد ساهم العهر الإعلامي خلال فترات مختلفة من التأريخ غير البعيد في قلب كثير من الحقائق والوقائع مثل حملة التشويه الممنهجة التي تعرضت لها الكثير من القضايا الحقَّة فتحولت بذلك من حق إلى باطل كالقضية الفلسطينية مثلا، ولا يفوتني هنا من أن أذكرَّ القارئ الكريم بالحملات الإعلامية المضللة والممنهجة التي قام بها الإعلام العربي المسيَّس أثناء تعامله مع الأحداث التي بدأت شرارتها في تونس عام 2011م وإنتقلت بعد ذلك إلى عدد من الدول العربية، وهي ليبيا ومصر واليمن وسوريا ومن قبل ذلك العراق الذي نال الحظ الأكبر من عملية التضليل والتشويه حتى جرى إسقاطه وإحتلاله في التاسع من نيسان أبريل عام 2003م.


فقد عمل هذا الإعلام وبأسلوب تآمري مفضوح على فبركة الأخبار والتلاعب بالأرقام فكان يظهر الضحية الواحدة عشرة والعشرة مئة لكي يهول من الأحداث خدمة لأهدافه الشيطانية التي نجح وللاسف الشديد في الوصول إليها.
ولنكن واقعيين ولنسمي الأشياء بمسمياتها ولنعترف بأن التغطيات الإعلامية التي حظيت بها ما سميت بثورات الربيع العربي هي لم تكن من أجل سواد أعين من قاموا بتلك الثورات التي اتحفظ على تسميتها بالثورات أصلاً، فهي مؤامرات حيكت خيوطها في الغرف المظلمة لتدمير ما تبقى من بلدان الوطن العربي.
ومن يعترض على كلامي هذا فليتني بإيجابية واحدة لتلك "الثورات"... فهل ينكر هؤلاء المعترضون الخراب الذي حل بليبيا ، أو التدمير الذي تعرضت له سوريا، أو الشتات والضياع والدمار الذي يعيشه اليمن والمجاعة التي أنهكت شعبه، هل ينكر هؤلاء المعترضون الثروات والخيرات التي نهبت والمديونيات التي قفزت لأعلى المستویات، والتعليم الذي تراجع والحروب الأهلية والصراعات التي عمل الإعلام المسيَّس أو العاهر على تغذيتها عبر فبركاته وأضاليله..؟!!
إن المؤسف والمحزن في الأمر هو أن الإعلام المسيَّس والمضلل إستطاع أن يدمر دولاً كانت عامرة رغم ما كانت تعانيه من تراجع للحريات أو الضعف الإقتصادي، ولكنها كانت تنعم وعلى أقل تقدير بالأمن والأمان ولدينا على ذلك أمثلة عديدة مثل العراق في زمن ما قبل العام 2003 وليبيا في زمن العقيد القذافي أو اليمن في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وسوريا ما قبل الحرب الأهلية وكذلك مصر وتونس رغم إستقرار الأوضاع فيهما إلا أن حالهما لم يتغير بل صار أسوأ مما كان عليه قبل سقوط نظامي الرئيسين مبارك وبن علي.
لقد إتخذ الإعلام العاهر من العلاقات المزعومة لبعض الأنظمة السابقة بإسرائيل حجة لعهره فعمل على التركيز على هذه الكذبة حتى كبرت لتأتي أفعال و أقوال الحكومات الجديدة التي برئت ساحة الحكومات السابقة من هذه التهمة حيث ظهرت إلى السطح المستويات العالية من التنسيقات واللقاءات لهذه الحكومات مع دولة الإحتلال الإسرائيلي ولنا في اللقاء الأخير لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خير دليل ومثال على ذلك.
إن الإعلام المسيَّس اليوم وحين يركز على أهدافه فهو لا يراعي بذلك ذمة ولا ضميراً ولا يهمه إن أدت أخباره المفبركة والمشبعة بسموم الحقد والكراهية إلى قتل الآلاف من البشر وتشريد الملايين وتدمير بنىً تحتية بأكملها، أهدرت مئات المليارات في سبيل تشييدها والحقيقة أقول إن الإعلام المسيَّس اليوم لا يقل خطيئة عن الزعماء أو القادة العسكريين الذين يعطون الأوامر بالقتل والتنكيل، بل يعتبر أكبر ذنباً وخطيئة كونه هو المحرض على كل ما تقدم.
وفي ختام رأيي هذا الذي أعلم أنه سيغضب كثيراً ممن أعرفهم ومنهم من هو صديق لي أقول إنه كذاب من يقول أنه يوجد هناك إعلام شريف أو مستقل، عربي كان أو أجنبي ، فجميع وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة كلها مسيَّسة وتابعة بشكل أو بآخر لهذا الطرف أو ذاك وكلها مجيرة للتحدث بلسان من يمولها والترويج لأفكاره.
وبالتالي فلا ينخدعن أحد بالكلمات المعسولة أو الأفكار البراقة فنحن نعيش في عالم لا مجال فيه إلا للمصالح وسفنه تميل حيثما مالت بها رياح الأموال والسياسة القذرة المبنية على الألاعيب والمؤامرات والفتن وإشاعة الفوضى والخراب والدمار بغية تحقيق المكاسب وضرب الشعوب في أمن أوطانها لإضعافها وتسهيل السيطرة على مقدراتها.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟