كتب فؤاد الغرباوي / إيران : إدلب وحقيقة الصراع.. هل إبتلع أردوغان الطُعم الأمريكي

يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدفع بمزيد من قوات بلاده إلى داخل أراضي الشمال السوري وبالتحديد إلى إدلب التي شهدت مصرع ثلاثة عشر جندياً من جنوده وإصابة آخرين بنيران الجيش السوري، متجاهلاً كل التحذيرات التي وجهتها إليه أطراف دولية ومحلية.
لا شك أن التدخل التركي في شمال سوريا الذي يجري بضوء أخضر أمريكي ستنتج عنه عواقب وخيمة بالنسبة لأنقرة الحالم رئيسها بإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البالية، فالدخول في عملية عسكرية كبيرة كهذه سوف يؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وخسائر أخرى لا تقل فداحة للإقتصاد التركي المترنح أصلاً.
إن فعلة أردوغان هذه تذكرنا بما قام به الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين حينما أقدم في الثاني من أغسطس عام 1990 على إجتياح الكويت والسيطرة عليها بعد خديعة لعبت السفيرة الأمريكية في بغداد أنذاك "أبريل غاسبي" الدور الأبرز فيها، إبتلع صدام حسين الطعم الأمريكي وإجتاح الكويت ليخرج بعد ذلك منها خالي الوفاض وقد أبيدت قوته شر إبادة وخسر شعبيته على الأقل لدى شعوب دول الخليج التي ظلت تنظر إليه طوال حربه مع إيران على أنه "البطل العربي الحامي لحدود الوطن العربي والسد المنيع بوجه الأطماع الأجنبية".
إن الخدعة الأمريكية التي إنطلت على صدام حسين كانت تريد كما يقول المثل العربي "ضرب عصفورين بحجر واحد" فأمريكا التي كانت تراقب القوة العراقية المتنامية لم يكن هذا الأمر ليعجبها و قد أوجست في نفسها خيفة منه، فالجيش العراقي قبل غزو الكويت كان يصنف كرابع أكبر جيش في العالم بعد أن بلغ عدد أفراده المليون جندي.
وليس هذا وحسب، فقد كان العراق مع بداية العام 1987 م و مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية متطوراً من حيث المعدات العسكرية التي كان يشتريها من الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وفرنسا والصين والمانيا الغربية وايطاليا والبرازيل و بولندا وتشيكوسلوفاكيا ومصر ودول أخرى حيث كشف تقييم أعدته الهيئة الأمريكية لمراقبة ونزع الأسلحة أن بغداد إستوردت بين عامي 1981 و 1985 ما قيمته 24 مليار دولار من المعدات العسكرية.


وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من ضرب العصفور الأول بعد قيادتها للتحالف الدولي الذي تولى إخراج القوات العراقية من الكويت عندما أبادت القوة العسكرية العراقية خلال إنسحابها من هناك والتي شكل الحرس الجمهوري العراقي العماد الأساس فيها فقضت واشنطن بذلك على لب القوة العسكرية العراقية.
أما العصفور الثاني فهو موطأ القدم الذي تمكنت أمريكا من الحصول عليه في منطقة الخليج عبر الوصول إلى مصافي الذهب الأسود كما أخذت توسع من إنتشارها وسيطرتها في المنطقة و تفتتح لنفسها القواعد تلو الأخرى بحجة الدفاع عن حلفاءها الخليجيين و حمايتهم من أحلام صدام حسين التوسعية.
وحين ننظر اليوم إلى مسألة التدخل التركي في شمال سوريا نجد ذات الأمر الذي حدث قبل 30 عاماً تقريباً مع العراق في الكويت، نفسه يتكرر مع تركيا التي كل الشواهد تؤكد أنها قامت بتحركها هذا بدفع وتحريض أمريكي لغاية في نفس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيث إنها لا تختلف عن الغاية التي كانت في نفس جورج بوش الأب خلال فعلته مع العراق.
والأسباب لهذا التحريض الأمريكي سآتي عليها بالتفصيل خلال الأسطر القادمة لأبرهن على المكر والخداع الأمريكي الذي لا يغيره تغير الإدارات و لا تعاقب الرؤساء على البيت الأبيض.
الكل يعرف أن العلاقة بين واشنطن وأنقرة دخلت خلال السنوات القليلة التي أعقبت فوز الرئيس الأمريكي المثير للجدل دونالد ترامب بالرئاسة في مراحل من التوتر والمنعطفات الخطيرة ولعل أبرز أسباب هذه التوترات هي قيام السلطات التركية بإعتقال القس الأمريكي أندور برانسون الذي إتهمته أنقرة بالضلوع في محاولة الإنقلاب الفاشلة في تموز من العام 2016م.
وليس هذا وحسب، فشراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية والمسماة بـ" إس 400 هو أيضاً سبب آخر من أسباب توتر العلاقة بين الجانبين حيث دفع هذا الأمر أمريكا لتعليق تسليم تركيا طائرات F-35 يضاف إليهما العقوبات التي فرضتها واشنطن على تركيا والتي تسببت بإنهيار الليرة التركية والخسائر الفادحة التي مني بها الإقتصاد التركي من جراء ذلك، وكذلك دعم أمريكا للأكراد وهم الأعداء اللدودون لأنقرة.
أيضاً لا ننسى تضارب المصالح بين تركيا والولايات المتحدة في سوريا فكلا الطرفين يسعى للظفر بحصته من الكعكة السورية كما باقي الأطراف المتناحرة على التراب السوري تحت ذريعة دعم الشعب السوري الذي أضحى الخاسر الأساس في كل ما يجري على أرضه.
على ما يبدو أن إدارة ترامب رأت ان أفضل سبيل لمواجهة تركيا هو ضربها في أساس قوتها فعمدت إلى دفعها لتدفع بنفسها صوب شفير الهاوية، فأطلقت أي أمريكا يد أنقرة لتتمدد في أكثر من نقطة في الشرق الأوسط مستغلة في ذلك أحلام أردوغان الرامية لإستعادة "أمجاد العثمانيين" حيث أخذ يضرب هذا الحالم يمنة ويسرى، فتارة يتدخل في ليبيا وأخرى في سوريا وقد غفل هذا المسكين عن شيء مهم جداً في ذلك وهو أن هذه التدخلات ستستنزف قوتيه العسكرية والإقتصادية وهو الشيء الذي تريده أمريكا وتسعى إليه.
وقد نجحت اللعبة الأمريكية في إستدراج أردوغان لإبتلاع الطعم والوقوع في الفخ حيث يواصل ومنذ أيام الدفع بقواته ومعداته العسكرية إلى داخل الشمال السوري وهو الأمر الذي ينذر بل ويؤكد أن حرباً طاحنة وإن بدت حالياً مجرد مناوشات ستنشب عما قريب بين الجيش التركي من جهة والجيش السوري من جهة ثانية و في كلتا الحالتين ستكون أمريكا قد أعادت ضرب عصفورين آخرين في حجر واحد، الأول بإستنزاف قوة تركيا العسكرية والثاني بإضعاف الجيش السوري الذي اضعفته سنوات الحرب والمستنزف أصلاً في قوتيه البشرية والعسكرية.
فإلى متى يبقى الزعماء المسلمون والعرب أضحوكة لأمريكا ؟!! وإلى متى يستمر العرب والمسلمون في ضرب بعضهم بعضاً فيما المستفيد من ذلك هو أعداؤهم من الصهيانة والأمريكان.... وألف إلى متى ومتى متبوعة بعلامة إستفهام تنتظر تفسيراً لكل هذا الذي يجري حيث لا تفسير، بينما آلة اللعب والمكر والخداع الأمريكي – الصهيوني مستمرة دونما رادع أو وازع.




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
جابر الكعبي 18/02/2020
أردوغان الحالم المتهور إن تدخلات أردوغان لم تكن لتحدث لو كانت سوريا قوية مثلما كانت عليه قبل المؤامرة التي تعرضت لها لكن ورغم الضعف وتعدد الجبهات ها هم أبناء الجيش السوري يسددون الضربات تلو الضربات القاصمة لأردوغان ومرتزقته وليعلم أردوغان ان احلامه المتهورة هذه ستلقي به الى حتفه وسيندم عما قريب حيث لا ينفع الندم
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟