كتبت بيان عمر مساعد الشريوفي : الطالب السعودي ،والمعلم،وصناعة الباحث

غالبا ما يفهمُ عن صناعةِ الفرد الباحث في المجتمع أنها مهمة صعبة التنفيذ، وأملٌ كبيرٌ بعيد، وأمرٌ مبهمٌ غامض! لا نفهمُ بدايته، ولا نعرفُ طريق الوصول للنهاية؛ لذلك نرى وظيفة الباحث كأنها هامةٌ للعباقرة، والنادرين، بالرغم من أن طريق البداية في صناعةِ الباحث هو التركيزُ فقط على الفئة المستهدفة المبدعة من الطلاب والطالبات ببعضِ التوجيهات،وبقية الطريقِ يُبنى بالتدريجِ المُيسِّر البسيطِ التراكمي من أفراد آخرين، فلا يصنعُ الطالب الباحث معلم واحد، وإنما جمعٌ من المعلمينَ على امتدادِ سنواتِ دراسته.
لا أقصدُ ألا نرفعَ العِقَالَ لكلِّ باحث، أو نَستصغِرَ مُسمَّى باحث، لا! بل إن سِرَّ تَقَدُّمِ الأُمَمِ _كَمَا يقولون_ هو عددُ باحِثِيها، وعددُ بحُوثَهَا المُقدَّمة،وإنما القصدُ هو عدمُ الاهتمامِ بتفسيرِ خطواتِ هذه الصناعة، وكأنَّها محميَّة نخافُ الاقتراب من شباكها، وأعجوبةٌ من عجائبِ الدنيا السبع،فلا يستطيعُ الوصول لها اجتهاد أيُّ مجتهد منا ، وكأننا نرتابُ من أن تقلَّ هيبتها بكثرة المتمرسين فيها.
ربما يعيش بيننا، وعلى مقاعدِ مدارسنا طلاب وطالبات مبدعين، مبتكرين بالتفكير بالفطرة، ولا يوجدُ من يستثمرُ عقولهم في صناعتهم ليكونوا باحثين إذا كبروا، وتقدموا في العلم والمعرفة، فلا تزال هذه الصنعةُ مُهمشة.


ليس كسلاً، وليس عجزًا، ولا تهاوُنًا بقُدراتِ أبنائنا وبناتنا، ولا بجهودِ معلمينا ومعلماتنا، ولكن! الطريق غيرُ معبدٍ في تلك الصناعة، ولعلي أساهمُ بما أعلم، وأفيدُ بهذه القصةِ القصيرةِ التي أستعرضُ فيها نجاح أحدهم في خطوات بناء مهارات الباحث، والتي وقفتُ عليها بنفسي:
هي فتاةٌ في سن الخامسة عشر من عمرها، أي في مرحلة المتوسطة، كان حفظ القرآن ومراجعته لازمةٌ من لوازم بيئتها، وأمرٍ من أمور والديها الواجب تنفيذه، كانت تحب الاطلاع والقراءة والكتابة، فوجَّهَهَا وَالدُهَا إلى قراءة كتاباتِ مُصطَفى المنفلوطي، وأن تأخذَ من رواياته أسلوبَ اللُّغة والبلاغةِ فقط.
بعد ختمتها الأولى للقرآن، وتخرجها من مدرسة التحفيظ والمرحلة المتوسطة، تعلق قلبها بالقرآن بعد أن كان إجبارا عليها أصبح غراما لها ، فاستمرت في طريق مراجعته إلى أن وصلت مرحلة الجامعة ،فعُرِفت في الجامعة بفصاحتها ،وتوليدها للكلمات بسرعة بديهة لحظية في نفس الموقف.
كان والدها يراجعُ معها بعضَ كتاباتها، وينقدُ أسلوبَها الكتابي، وفي الغالب لا يُعجِبهُ ما تكتب ،ولكن! لا يزال بها، فيُنبهُها على امتلاكها لمخزون لغوي لابد أن تستثمره.
في سن العشرين، حضرت في إحدى الدول الخليجية دورة تدريبية تتحدث عن الاستراتيجيات في جانب ما، وكان المحاضر هو والدها، فلم تفهم حديثه التربوي، لأنها ذات تخصصٍ تقني بعيد عن مجالِ والدِها، ووافاها بالحقيبة التدريبية أمام المتدربين، فلم تزل غيرُ مُدرِكةٍ لأي شيء، ولم تَكُن الدورة إلا نزهةً لها مع أبيها، محسودة عليها، ومحظوظة، وخصوصا أن والدها كان يسمح لها بمعارضته في الرأي، ويدعمُ رأيها ضد رأيه.
أتت يوما لوالدها تلوِّحُ له بالبريد الإلكتروني الذي أرسلته كحل لواجب معين في مقرر ما، والذي قدمته كتلخيص على شكل رسوم توضيحية، فأشار الأب بإعجابه بما قدمت دون أن يعرف اسم المقرر، وشجَّعَهَا على التقدم.
كانت تُشارِكَ في مؤتمرات الجامعة للبحوث العلمية الخاصة بالطالبات، فمرةً تُشارِكُ بدراسةٍ استطلاعية عن قيادة المرأة السعودية للسيارة، ومرةٍ أُخرَى ببحثٍ تِقَنِيٍ في تَخَصُّصِهَا، ولم تجد والدها في تلك المعمعة والضغط المعلوماتي عليها إلا داعما لها، ومُشيرًا عليها بمستشارين تقنيين من مَعَارِفه، وكانت جملته:
_يا ابنتي أكملي مع صديقاتك المشروع، ووعدا مني أن أُحاول عرضه على وزارة الحج، فقط استمري.
_ كيف يكون بحثا معتمدا؟
_ ابحثي بنفسك عن شيء يسمى مجلة ISI
فاز المشروع على مستوى جامعتها، وتخرجت من الجامعة بخمسة تزكيات علمية في مواد التخصص إلى جانب معدلها الغير عالي، وبعد ثلاثة سنوات تقريبا من تخرجها، اختارتها الكلية لتنوب عن جميع الطلاب والطالبات في اللجنة الاستشارية الخاصة بتطوير الكلية.
لم تكن تعرف لخطواتِ رؤيةِ الكلية في الوصول للمستوى العالمي في التدريس إلا اعتماد ISO ،فوضَّحُوا لها في اللجنة أن الاعتمادات الأكاديمية تختلفُ عن الاعتمادات للمؤسسات، فلجأت إلى والدها الذي قال لها :
_ لا تسأليني عن أي شيء. ابحثي بنفسك، وهذا موضوع طويل.
فبدأت بالبحث، وحاولت جمع الفروقات بين تخصصها في كُلِّيَتِها، وبين التخصص في جامعات أخرى مُعتمدَة، فخرجت باستبانةٍ نَشَرَتها على بعض الطلاب، وراعت في أسئلتها أن تكون مُمَحِّصَة للوضع الحالي لِيَسهُلَ تَطوِيرُه بعدَ الوقوفِ على ثغراته.
سافرت لوالدها في مدينةِ عملِه، وجلست معهُ أربعة أيام، وعرضت في تلك الأيام ما تواجِهُهُ من مشاكل في ساعة اجتماع مع والدها، حيثُ فضفضت له عن طريق رسومات شجرية، وكانت تتكلم عن طريق الكتابة، فنبهها والدها إلى صفة التحليل فيها،وكيفية استثمارها ، كما نبهها عندما لاحظ طريقةَ حديثها عن مشروعها اللُّغوِي أنها تحظى بتوازن مادي، ووعي تجاري.
وأضافت بذلك، الأربعة أيام إلى أجمل أيام عمرها بجانب ذلك اليوم في الدورة ، فأصيحت أيامُ نُزهَتِهَا مع وَالدِهَا هِيَ خمسةُ أيامِ تتغنى بها.
انتهى

أخيرا رسالة إلى المعلم:
في منتدى المعلم الخليجي لم يناديني المسؤول عن مكتب التربية العربي لدول الخليج لأدلُوَ بِدَلوِي، فلن آتي لأَدلُوَ به الآن، وإنما أتيتُ لأُثبت لكم أن المحاضرَ الشريوفي قال وفعل، وفي دائرة تأثيره الصغيرة دليل، وأنا صاحبةُ القصة المذكورة. فقبل 7 سنوات لم أفهم ما يقول، والآن فهمتُ لأنني الدليل، ولازلت غير باحثة، ولكن داخلي جميع مهارات البحث العلمي مطورة.
لا أقصدُ أنك أيها المعلم أبا في الحياة بكاملِ أدوارِه، وإنَّما دورُ المعلِّم في المدرسة أن يُعطِي أطرافَ الخيوطِ في الأمور للطالبِ ليكُملَ بعدها كما أعطى عمر لبيان، والجهدُ الأكبرُ على الطالب.
وأما الأم في القصة فلم يغب دورها، فإذا كان المقصود بالأب هو المعلم؛ فالمقصود بالأم هو المنزل، ولذلك في أوقات كثيرة لا يقوم المنزلُ بالدور الأسري التربوي للطالب ،فيُقمعُ الإبداع والابتكار ،ويُحرَمُ الطالب من الهدوء ،ومن إحساس الاحتواء والحب، فهناك أمهاتٌ لسنَ مدارس، بل !صانعاتٌ للإعاقة الإبداعية بالتعنيف المعنوي والجسدي،والقمع المتكرر ،فيبقى المعلم بلا أثر،ولو فعل ما فعل ،لأن المنزل هو المؤثر الأكبر على الطالب،فلو غاب المعلم ؛فربما المنزل يقوم بالدور كاملا ،ولكنَّ العكسَ غيرُ صحيح.
هذه فلسفة الحياة القائمة على الثنائية في المواضيع، فابن آدم يُخلقُ من أب وأم، والطالب تتُطور مهاراته من المعلم والمنزل.




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟