كتب المهندس ياسين الرزوق زيوس / سوريا : صدقي المقت يخرج المرحوم السوريّ من غرفة التشريح إلى غرفة المقاومة!

كنتُ في رواية المرحوم ل"حسن كمال" أتساءل كيف تفنى الجثث و هل فعلاً هي التي تفنى بتلاشيها أم أنّ الأرواح تتلاشى بفنائها ؟!

و عامل المشرحة يقودها إلى عوالم أخرى من روح السقوط في الهاوية أو الصعود في الملكوت هناك حيث رأيتُ طبيباً حاول بعقله أن يقود عينيه لا بقلبه قبل أن تصبح أقدار الأمة البوليسية سيدة الزمان و المكان و هو يتساءل بمرارة كيف للوطن الدون كيشوتي أن يواجه أقدار هذه الأمة البوليسية إذا ما كان تائهاً بين مشرحة و مقبرة و بين أحياء أموات و أموات أحياء سقطت تحالفاتهم ضدَّ من يجعلون الموت و الحياة من مقدَّرات التجارة و الكسب و الغش و النفاق و الخيانة !

زادت رائحة المشرحة دلالة النتانة و التعفن في مجتمعٍ ما زالت رائحته تزكم أنوف التاريخ و وحدها تلك النسمات المقاومة التي لم تتحوَّل إلى عاصفة تملك كلَّ أسس الإطاحة بهذا الكمِّ من الجثث و من القتلة تجعل هذا العالم قادراً على التنفس و على استحضار هواء الأمل , و هل للأمل مكانٌ ما بين طبيب تعثَّر بمادة الفورمالين و ما بين عامل مشرحةٍ يحاول لملمة مادة الرحمة كي ينقذ بها ذاك الشفق الذي يبحث عن صلة وصلٍ ما بين الأموات و الأحياء ما بين المقاومين الأقوياء و الشرفاء الضغفاء ما بين الحاضر المخصي بالخوف و و الماضي المدجج بالشجاعة و ما بين المستقبل المحقون بمادة السبات هناك حيث تضيع الحياة في الممات و يحتلّ الممات كلَّ آفاق الحياة ؟!



للكذب ثلاثة أرجل و لعلَّه أخطبوط فقد الكثير من أذرعه و بقي بثلاثة أذرع أولاها أن تجيد الكذب و ثانيها أن يتوفَّر لك عدد من الحمقى الذين يكرِّرون الأكاذيب بلا وعي و ثالثها أن يكون من يعرفون الحقيقة جبناء بما يكفي ليسكتوا عمَّا يعرفون أنَّه كذب !" و كأنَّ المرحوم ما زال يبحث عن نفسه ما بين المقبرة و المشرحة في مجتمعٍ يعصف به الكذب لدرجة تسمية الحياة موتا و الموت حياة فلم يقدر على بثِّ الغموض الشائك في هذا المجتمع المفضوح الذي يحتاج تشريحاً كلَّ ثانية من موت و من حياة إلا بتسمية المرحوم الذي ضاع بين جسده و شبحه و بين روحه و نفسه و بين عيشه الفاني و فنائه الذي يعيش كلَّ لحظة فيه !

لعلَّ المرحوم لم يجد في هذا المجتمع المتلاشي أكثر من الهيكل العظمي لسمكة هيمينغواي في روايته "الشيخ و البحر " حينما صام عن الصيد طيلة 85 يوماً حتى اصطاد سمكة مارلين ضخمة نهشتها أسماك القرش على طول طريق مجتمع المرحوم عبد الحي حنفي ابن التربي المتوحش بخرافاته بقدر سكونه و إذعانه !

أناتول فرانس يقول أنَّ الفضول هو فضيلة الرواية الكبرى و المرحوم عالي الفكر و الثقافة الذي لا يستطيع إكمال تعليمه بينما الجهلة و شيوخ الدجل و ضباط القمع البوليسي يحملون شهادات تعمية أمة بأكملها يقودنا بالفضول متسائلين هل هو جسد و روح معاً أم أنَّه روح تلبست جسداً آخراً أم أنَّه جسد تقوده روحٌ أخرى ليحقق أمنيات الجثث ؟!

عندما سيرى الطبيب و المرحوم أمثال البطل الحرّ صدقي المقت في مشرحة التساؤلات سيؤمنان أنَّ الإرادة ستنتصر لتخرج مجتمع الحياة من بوليسية الموت و من فساد الخيانة و القتلة الخائنين !



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟