كتب حميد طولست / المغرب : هل يستحق القطنا كل هذا العزاء وذاك الرثاء !!

تساءل بعض متتبعي موقعي الالكتروني وغيره من المواقع الوطنية والعالمية التي تنشر لي مشكورة ، عمن يكون ذاك الذي استحق كل هذا العزاء وذاك الرثاء الذي خصصت به المرحوم"القاطنة" ، وهو شخصية غير معروفة لديهم ؟؟ ولإرضاء فضول المتسائلين المحترمين ، لم اجد أنسب ولا أبلغ من البيت الشعري:  

هذا الرثاء الذي تمليه أشجاني***  أخطه ودموعي ملء أجفاني.



الذي بين فيه جبران خليل جبران أن الرثاء تفاعل نفسي تمليه الأشجان والعواطف ، وتفرضه منزلة الفقيد ومقداره لذى من عرفوه من المعزين ،  كما هو الحال مع المرحوم "القاطنة" الذي تركت وفاته في نفس ووجدان أهل حي فاس الجديد أثرا بالغا وألما عميقا ، لما تميز به من صفات وخصال تفرض على كل من عرفه من قريب أو بعيد ، رثاءه بالخطب العصماء والقصائد المطولة ، المناسبة لما تفرد به من التميز الذي جعل منه مثار إعجاب الكثيرين.

إن الذي تسألونني عنه ، والذي أتمنى له المجد والخلود في مثواه الأخير عند ربه الرحيم ،  هو السيد أحمد القطنا"  قيد حياته ، واحد من الذين سكنوا حي فاس الجديد بقلوبهم ، ونبضت عروقهم بحبه ، وأدمنوا شم نسائم حاراته ، وعشقوا أريج شوارعه وأزقته ودروبه وبيوتاته التي لا زالت تتذكر كيف كان يطوف بها بقامته الفارهة الممدودة ، ويتجول حولها بهامته المفرودة ، وكأنه حراسها المخلص المحب لأهلها زوارها،  إنسان خاص ، متفرد  بخفة دمة وعذوبة منطقه وملكة كلامه ، الذي كان من أمهر مهاراته التي غدتها فطنته الشديدة ، وبديهته السريعة ، التي مكنته من تحويل كلامه إلى درر تنضح بالحكم المناسبة لكل الأحوال والمقامات ، والمواكبة لطبيعة الأحداث ، والمساير لمختلف الظروف والأجواء ، التي كان يحكي عنها - كلما سنحت له الظروف- قصصا تتوحد كل مضامين موضوعاتها في :"نكران الجميل ، وغدر الزمن ، وشقاء السنين الذي واجه مرارته - مرغما ومعذورا- بالإدمان على ما يدغدغ أوتار وجدانه المكلوم ، والذي كان يعالج به نفسه الحزينة ، وينعش أحاسيسه المكبوتة ، ويدخل على صدره الكمد بعض البهجة والسرور، ويسحبه إلى سنا الفرح والحبور، ويضخ فيه شحنات من الأمل والتفاؤل ، الذي يخفف عنه –ولو مؤقتا- أتعاب العطالة وضنك العيش، وضغوطات الحياة ، ويفرج بعض من الكرب ، التي سرعان ما تعاود وقعها من جديدة على نفسيته المنهوكة كلما زال مفعول المسكن المسلي ، فيعود لهمومه وأحزانه وأسفه على قدره وأقداره التي حرمته متع الدنيا وملذات الحياة بكل أشكالها ومضامينها ..

كلما استحضرت علاقة الجيرة والزمالة التي ربطتني بالفقيد ، إلا ووجدت أنه ليس بإنسان عادي كباقي البشر فهو مميز بمقدوره الدخول إلى خلد ووجدان كل من تعرف عليه أو قابله ،ولو صدفة،  إلى درجة أنه يصبح بطلا  أو فارس أحلام  يوقظ بدواخل معجبيه زوبعة من مشاعر التأسّي والتفجّع على إنسان كان سعيدًا مرتاحا راضيا مسامحًا لا يجد في الحياة ما يستحق الخصومة ولا يحمل في نفسه شيئًا منها.

رحمك الله يا "القطنا" وعوضك بأحسن منها وآخر دعائي أن الحمد لله رب العالمين الذي قال :"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي" ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

*هوامش ــــ :هو أحمد القاطنا كان بمتابة حكيم الحي وكان كلامه كالدرر ومنطقه ينضح بالحكم التي ترتسم بها معالم شخصيته التي  منحت للكلمة شأنها جليل وقدرها عظيم، الذي تتضح به مكنونات نفسه وملامح ثقافته الشعبية وفطنته المنبثقة من فطنة عقله النير ونور بصيرته الثاقبة،




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟