كتب حسني الخطيب |الاردن| ... نظام التكتلات الاقتصادية

نظام التكتلات الاقتصادية


أهم ملامح الاقتصاد العالمي الحالي تحكمه آليات وتنظيمات متعارف عليها دوليا، وذلك من خلال ترسيخ مبادئ التعامل على المستوى الإقليمي أو على مستوى الشركات الكبيرة أو متعددة الجنسيات (التكتلات الاقتصادية)، حيث قامت تكتلات اقتصادية كثيرة حول العالم، وهذه التكتلات بالنسبة للاقتصاد الدولي تعتبر بمثابة القطاع الاقتصادي أو المحلي بالنسبة للاقتصاد المحلي سابقا، حيث أصبح التخصص في نشاط اقتصادي ما ذا أهمية عالمية، وذلك من خلال التعاون داخل التكتل الواحد بين الدول أو بين التكتلات المختلفة.

كما أن ظهور الشركات متعددة الجنسية أصبحت تدير النشاطات الاقتصادية في الكرة الأرضية وكأنها قرية صغيرة، وذلك من خلال انتشار فروعها والربط بينها عبر وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت مثلا)، مما أدى إلى ظهور المنظمات التجارية والاتفاقيات التجارية، كما ظهرت أيضا مبادئ عامة تحكم التجارة على المستوى الدولي بدلا من التحكم على المستوى المحلي، ومن أهم هذه المؤسسات حاليا هي: (اتفاقية الجات – ميثاق هافانا – مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأنكتاد) – منظمة التجارة العالمية)، وبذلك انتشر مبدأ حرية تجارة الخدمات، حيث أصبح هذا النشاط يحتل مكانا مرموقا اليوم، كما أصبح الناتج الاقتصادي العالمي يسير وفق مبادئ وقواعد دولية يترتب عليها التزامات على عاتق الدول، ويشمل ذلك كافة الخدمات وعلى الخصوص ذات الطابع التجاري.

هذا وقد ظهرت التكتلات الاقتصادية كنتيجة للقيود في العلاقات الدولية وكمحاولة جزئية لتحرير التجارة بين عدد محدود من الدول، وتتخذ التكتلات عدة أشكال قد تختلف فيما بينها من حيث الاندماج بين الأطراف المنضمة إلى التكتل، حيث تحاول هذه الأطراف إيجاد وحدة اقتصادية فيما بينها وذلك بإزالة جميع العقبات التنظيمية، وهكذا فإنه يمكن الإشارة إلى عدة درجات من التقارب الاقتصادي أهمها:

1- منطقة التجارة الحرة: وهنا تلتزم كل دولة عضو بإلغاء كافة القيود على الواردات من الدول الأطراف في الاتفاقية، وبالتالي تتمتع صادرات كل دولة بإعفاء جمركي تام في الدول الأخرى الأعضاء، كما وأنه لكل دولة مشتركة الحق في فرض الرسوم الجمركية على ما تستورده من الدول الأخرى غير الأعضاء في المنطقة دون الالتزام بالتعريفة الجمركية الموحدة، ومن أبرز صور المناطق الحرة في العصر الحالي منطقة التجارة الحرة الأوروبية والتي تضم دول الاتحاد الأوروبي باستثناء ثلاثة دول.

2- الاتحاد الجمركي: يتفق هذا التكتل مع الشكل السابق من حيث إلغائه للرسوم الجمركية والقيود الكمية والإدارية على الواردات بين الدول الأعضاء، فضلا على أنه يعمل على توحيد التعريفة الجمركية الخاصة بالاتحاد في مواجهة الخارج، ومن أشهر الأمثلة على ذلك (اتحاد البينيلوكس) بين بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.

3- الاتحاد الاقتصادي: هذا التكتل لا يقتصر على التعاون بين الدول الأعضاء لإلغاء القيود المفروضة على المبادلات التجارية فحسب، بل يشتمل على تحرير حركات رؤوس الأموال والأشخاص وإنشاء المشروعات إلى جانب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والاقتصادية للدول الأعضاء، وذلك بغرض إقامة هيكل اقتصادي متكامل بحيث تتحقق وحدة اقتصادية مستقبلا بين الدول الأعضاء.



4-الإندماج الاقتصادي الكامل: بمقتضى هذا الشكل من التكتل تصبح اقتصاديات الدول الأعضاء كإقتصاد واحد، حيث تحقق شروط الاتحاد الاقتصادي بإنشاء سلطة عليا تكون قراراتها في المسائل الاقتصادية ملزمة لجميع الدول الأعضاء، وهذه هي الصورة المتحققة في ظل ما يعرف بالسوق الأوروبية المشتركة.

والجدير بالذكر أنه على الرغم من أن كل التكتلات الاقتصادية قد عرفت منذ القدم، إلا أن هذه الظاهرة على وجه الخصوص يتميز بها الاقتصاد الحديث، ويرجع ذلك إلى تطور علاقات الإنتاج وزيادة أهمية الوحدات الاقتصادية الكبيرة وظهور أقطاب التنمية، فقد أدى التقدم التكنولوجي الحديث إلى فرض أهمية الوحدات الاقتصادية الكبيرة الحجم للاستفادة من التقدم الفني فيها، حيث أنه وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح التعاون الاقتصادي الدولي وظهور المؤسسات الدولية والإقليمية الصفة الغالبة على النشاط الاقتصادي عموما، وكل ذلك أدى إلى توحيد الإطار التنظيمي والقانوني للاقتصاد العالمي، حيث ظهرت بعد ذلك الشركات متعددة الجنسيات والمشروعات العالمية.

أما لتقييم آثار ذلك على الدول النامية بشكل موضوعي ومعمق، فما من شك أن الدول النامية ستنصاع لآليات الاقتصاد الدولي من خلال إعادة هيكلة اقتصادها وبناء أسس وقواعد اقتصادية تعمل إيجابيا لصالحها، كما أنه وبالرغم من أن صفات الاقتصاد العالمي الحالية متحيزة لصالح الدول القوية إلا أن من شأنها توفير مجال أوسع للحركة في اتجاه تحقيق التنمية، ولقد نجحت بعض الدول النامية في التصدي للعديد من الصعوبات التي واجهتها فرادى ومجتمعة أثناء المفاوضات، كما وأنها نجحت إلى حد كبير في تحجيم الضرر الذي كان يمكن أن يلحق بها لا سيما في مجال اِتفاقيتي الخدمات والاستثمارات، ومن هذه الدول دول النمور الأربعة في شرق آسيا وبعض دول إفريقيا.




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟