كتب د . حسين الديك / ستانفورد – كاليفورنيا : صرخة في شفا عمرو

 لقد اجمع علماء الانثروبولوجيا في العالم ان الانسان الطبيعي يتصرف بحدود ارادته الطبيعية دائما ، ولكن اذا فرضت عليه ظروف غير طبيعية فانه يخرج عن طبيعته المالوفه الى ممارسات اخرى لا يمارسها في ظروفه الطبيعية ، فمثلا اثبت علماء الانثروبولوجيا ( علم الانسان) ان  حالة البكاء لا يصل اليها الانسان الا عندما يعجز عن التعبير عما يجول في داخلة وفي وجدانه بكل الطرق والاساليب الطبيعة مستخدما كافة امكاناته وقدراته ، فعندها يلجا للبكاء والصراخ تكون هذه حالة انسانية معبرة وصادقة عما يجول بخاطر ووجدان هذا الانسان .



 ان الصرخة الحرة التي انطلقت من شفا عمرو ان بعد هدم الجيش الاسرائيلي للبيوت كانت صرخة مدوية اخترقت كل ضمير حي في هذا المجتمع بل تعدت ذلك لصرخة انسانية بريئة من امراة صابرة مكافحة مناضلة سخرت حياتها لعائلتها ولاطفالها الصغار لتوفير ادنى مقومات العيش الكريم لهم في توفير مسكن يعيشون فيه كغيرهم من البشر ، ورغم كل معاناة السنين والمثابرة والتعب والحرمان الي تحدثت عنه السيدة المناضلة في شفاعمرو لتوفير هذا المسكن تاتي قوة الظلم و الطغيان  وقوة الاحتلال وقانون شريعة الغاب وخلال لحظات بتدمير هذا الحلم البسيط وجعل كل تعب السنين لهذه السيدة كالسراب .

نعم انها صرخة حرة من امراة حرة في بلد يعاني من اقسى واشد المعاناة ، فما يعتبر حق اساسي وفق الشرعية الدولية والقانون الدولي لحقوق الانسان وهو حق السكن اصبح حلم لدى ابناء شعبنا ، فسحقا للقانون الدولي وسحقا لشريعة الغاب وسحقا لشريعة القوة ، وكل هذا يحدث امام العالم ولا يحرك ساكنا ليس اليوم فحسب بل على مدار سبعين سنة من الظلم والاستعباد والاحتلال والتمييز العنصري من الحكومات العنصرية في هذه الدولة المارقة .

تحدثت هذه المراة الشجاعة بكل صدق وبقلب مفجوع  كيف حرمت ابنائها من كعكة عيد الميلاد في كل سنة  من اجل توفير المال لبناء هذا المنزل الذي اصبح من الاطلال الان ، تحدث عن الحرمان في عيون اطفالها ، تحدثت عن المستقبل الاليم الذي ينتظر هذه العائلة ، تحدث عن اللامبالاة من الجميع في عدم السؤال عنها ، تحدث عن ظلم ذوي القربى ، تحدثت عن التهميش عن المعاناة ، عن الظلم ، عن الطغيان ، عن الالم ، عن الحرمان، لخصت ماساة المواطن العربي في ارضه وبلده ووطنه عبر السنين العجاف والليالي الحالكات الظالمات ، اختصرت مئات الكتب والمجلات والمقالات بكلماتها البسيطة المعبرة عن حجم المعاناة اليومية لهذا الشعب.

ان هذه الصرخة ليست صرخة فردية او حالة واحدة فقط بل انها قضية شعب وقضية مجتمع ظلم وهجر و احتلت ارضه وانتهكت حرماته ، فاليوم في شفا عمرو وقد يكون غدا في كفر قاسم وبعد غد في النقب وبعده في الجليل وهكذا يستمر مسلسل الهدم والتهجيرامام عيون الجميع ، ولكن السؤال الذي يطرح الان ماذا نحن فاعلون ؟

  اذا لم تتحرك الجماهير اليوم وتقول كلمتها ، سوف يستمر مسلسل الهدم والتهجير والتمييز والظلم والاستعباد ، المطلوب وقفة واحدة من الجميع مواطنين ومؤسسات واحزب وقيادات ، المطلوب الضغط الشعبي والرسمي في الشارع ، المطلوب طرق ابواب كافة المؤسسات لايصال كلمتنا وقضيتنا العادلة ، المطلوب التعالي على الجراح والخلافات والعمل معا لوقف مسلسل الهدم في المجتمع العربي، المطلوب خطة منظمة مدروسة لمواجهة مسلسل الهدم ، المطلوب صندوق وطني لمساعدة اصحاب البيوت التي هدمت والتي سوف تهدم ، المطلوب ارادة حقيقية وقوية من الجميع للتصدي لمسلسل هدم البيوت في المجتمع العربي.





إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟