كتب حسني الخطيب : المعرفة وثورتها الاقتصادية

أصبح الاقتصاد العالمي مؤخرا يتسم بكثرة التوترات والصعوبات، فمن ناحية هناك نكسات عملية التنمية واضحة ومشاكل الديون الحادة أكثر وضوحا، وزيادة في أسعار السلع الأساسية وظهور منازعات تجارية وعدم إستقرار أسعار الصرف، ومن ناحية أخرى هناك أيضا العديد من الجهود التي بذلت لتعزيز السياسات العامة المحلية والدولية على السواء، حيث تبذل الدول النامية جهودا نشيطة لتكييف إقتصادياتها ومكافحة التضخم، كما وحدثت تطورات هامة فيما يتعلق بتنسيق السياسات الإقتصادية الكلية، وفيما يتعلق بإستراتيجية الديون والمفاوضات التجارية والأزمات المالية، إلا أن هذه الجهود كافة أخفقت في توفير إستراتيجية متماسكة لإنعاش التجارة والنمو والتنمية وإرساء بيئة إقتصادية أكثر دعم وأكثر إنسجاما.

فخلال أقل من قرنين من الزمن إنتقلت البشرية من عصر الثورة الصناعية إلى عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، حيث أصبح العلم هو القوة الإنتاجية الأولى في تحديد سيطرة الإنسان على الطبيعة، وعلى خلاف الثورة الصناعية تميزت الثورة الحالية بأنها لا تنشأ عن بناء الآلات إنما هي إنتشار القيم العلمية بين المواطنين وتحقيق الإنتاج العلمي، ولقد تميزت فكرة الإقتصاد الجديد هذا عن الإقتصاد السابق (القديم) بالإهتمام بالعلم المجرد المباشر وتقريب العلوم الطبيعة والعلوم الإجتماعية وظهورعلوم مشتركة، وكل ذلك ساعد على إدخال تغيرات شاملة على العمل البشري، كما أدى إلى التغير في طبيعة الهيكل الصناعي وذلك من خلال إبتكار صناعات جديدة، وهكذا نشأت صناعات جديدة سميت (صناعة المعرفة) حيث أصبح العلم سلعة كما أصبح موضوع للإنتاج والمبادلة ومنها ظهر مفهوم (صناعة الإختراع)، ولم تعد المنافسة الإقتصادية تقتصر على ميدان الإنتاج المادي بل إمتدت إلى المجال غير المادي، وأصبحت التكنولوجيا موضوعا أساسيا للتجارة الدولية، كما إتجه القطاع الثالث وهو قطاع الخدمات ليحل محل الصناعة بوصفه القطاع القائد للنمو والعمالة.



هذا وفي ظل هذه التغيرات لم يعد الوعاء المحلي كافيا لتوسيع الإنتاج، كما لم تعد السوق المحلية مهما يكن اتساعها كافية لإحتواء حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمل، وبهذه الظروف بدأ تشكل النظام الإقتصادي الدولي من خلال تدويل مضطرد للحياة الإقتصادية في كل بلد على حدة، كما إكتسب رأس المال طابعا دوليا حيث تركز في الأسواق التي أصبحت عالمية وظهرت المصارف ذات المواصفات الدولية، وكل هذه العوامل أصبحت القوة المحركة للإقتصاد.

وبناءا على ما تقدم من تغيرات، جرت هيكلة الإقتصاد الدولي بحيث تناولت كل من الهيكل الصناعي وهيكل قوة العمل وهيكل الموارد، فيما شهدت الزراعة إندثارا في بعض فروع الإنتاج التقليدية في عدد من البلدان، وذلك مع ازدهار لفروع إنتاج جديدة وقد صاحب ذلك تبدل وتغير هيكل كل القطاعات، فصناعة المعلومات دفعت القطاع الثالث إلى المقدمة ليحل محل القطاع الصناعي بوصفه القطاع القائد للنمو والعمالة، وأصبحت التجارة في المعلومات أكبر من التجارة في المنتجات المادية، ومن هنا إزداد نصيب القطاعات غير الإنتاجية في تشكل الإقتصاد القومي، ومن ناحية أخرى حلّ الإنسان الآلي محل كثير من العمال، وهكذا صارت التكنولوجيا الحديثة مصدرا للبطالة.

هذا وبفضل الثورة العلمية والتكنولوجية أصبحت المعلومات هي المورد الرئيسي لثروة المجتمع، بل حتى أنها أصبحت هي المشكّلة لرأس المال، فالتكنولوجيا والمعلومات حولت المواد التي لم تكن تعرف لها قيمة إلى موارد طبيعية جديدة، وبالتالي فهي أعادت تشكيل أوضاع التراكم والإستثمار، ومنها تم إعادة تشكيل دورة الأعمال والإنتاج، وهكذا فإننا نلاحظ أن من أهم نتائج النظام الدولي الجديد في مجال الاقتصاد ما يلي:

أولا: تقسيم العمل الدولي على أساس التبادل العلمي والتكنولوجي والصناعي، حيث يتميز التبادل الدولي حاليا بالتبادل الذهني أو المعنوي مقابل التبادل السلعي، ونتيجة القدرة غير المتكافئة على التوصل إلى العلم والتكنولوجيا فإنهما يدخلان في إطار التبادل الدولي غير المتكافئ، وهذا التبادل في الواقع محكوم إلى درجة كبيرة بقرارات الإستثمار الدولي التي تتخذها المشروعات الخاصة وفي مقدمتها المشروعات متعددة الجنسية، ومن هنا تنطلق الترتيبات في تغير أنماط الإستثمار الدولي، حيث تدهور تدفق الإستثمار الخاص المباشر نحو البلدان النامية، ومقابل ذلك تدفق الإستثمار الأجنبي المباشر من أوروبا الغربية واليابان إلى السوق الأمريكية، فضلا عن زيادة استثمارات الشركات متعددة الجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانيا: تتم الآن عمليات ضخمة لإعادة توزيع الموارد على نطاق العالم، خاصة بعد تطور صناعة المعلومات التي إحتلت المكانة الأولى في التجارة الدولية، وهكذا تحولت المنافسة في الواقع حول المعلومات والمعرفة والخبرة الإنتاجية وكل هذه المجالات، والتي مثّل عدم التكافؤ فيها على المستوى الدولي عقبة كبيرة في وجه البلدان النامية.

ثالثا: التدويل المضطرد للإقتصاد في مجال الإنتاج ورأس المال، حيث تتولى المشروعات متعددة الجنسيات قيادة هذا التدويل من خلال تكرار مسار الإنتاج خارج الحدود الوطنية، أما تدويل رأس المال فإن شكله الأساسي يتمثل بالنسبة للدول النامية في المديونيات الخارجية وأزمات النقد ورأس المال.

رابعا: التكنولوجيا الجديدة أدت إلى إعادة نشر وتوزيع الصناعة عالميا، حيث تم نقل الصناعات التقليدية كثيفة العمل أو كثيفة الإستهلاك في الطاقة والخدمات إلى البلدان النامية.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟