كتب الدكتور ميثاق بيات ألضيفي : الكوميديا الديمقراطية !!!

ليست مفاجأة إن ذكرنا إن حقوق الإنسان بمفهومها هي تشمل كل ما يتعلق بالكرامة الإنسانية بما في ذلك المساواة المدنية والأمن الاقتصادي، وميثاق الأمم المتحدة يتضمن عن حقوق الإنسان مبادئ واضحة مثل الحق في العمل والتعليم والحماية الصحية، ولكن كل تلك ما هي إلا أهداف بعيدة تحتاج إلى توضيح وتنوير للمبادئ التي تحمي الإنسان وتفعيل للكيفية التوكيدية بعدم جواز قتل الشخص أو تعذيبه أو نقله تعسفًا ضد إرادته أو سجنه من دون محاكمة ولا يجوز لأحد حرمانه من استخدام لغته الأم أو منعه من اعتناق الدين الذي يؤمن به، ومن المستحيل إجباره على العمل أو مطالبته بأداء عمل مفرط، ولا حتى التفريط بحقوقه أو إهانته والتجاوز على كرامته أو أصله أو قوميته أو آرائه السياسية، وكل تلك المبادئ شكلية فجميع الساسة يقولوها ويعلنون عنها ويؤكدون عليها لكنهم لا يطبقوها ولا حتى يضمنون مستقبل تنفيذها.
الحكومة التمثيلية لا توفر للمواطنين على الإطلاق الحل الحقيقي للشؤون العامة رغم أنها تمنحهم بعض التأثير على هذه الأمور، وإذا افترضنا أن المواطنين يؤمنون بذلك التأثير أكثر مما يمكنهم في الواقع، فإن ذلك الوضع يفرض سؤالين هما إلى أي مدى يستطيع المواطنين حل الشؤون العامة عن طريق التصويت الشامل والمتساوي؟ وإذا كان من المستحيل التعرف عليهم بصفتهم قادرين، فكيف يمكن الحد من الشر الذي يأتي اليهم منه؟؟ أنا أفهم أن صياغة هذه الأسئلة في عصرنا تبدو وكأنها غير مقبولة وأتصور مقدمًا التفسيرات الخطيرة المحددة والتي يعترف بها في ديمقراطية هذا العصر لإن نظام الحكم لم يتغير بشكل كبير باستثناء التدابير التجميلية التي تخفي طبيعته الحقيقية! 


مما يثار سؤالاً آخر حول كيف يمكن أن يبقى هذا النظام بلا تطور؟ قد يتم الاعتراض على أنه من الخطر أن نلمس هذه التحفة الناجحة!! التي يقال إن من انتجها هما كرم الطبيعة والحكمة الإنسانية !! ولكن إذا لم نتمكن من لمسها فلن يكون هناك ولن تنتج شيء أفضل، كما إن الأشخاص الذين يعيشون في ظل ذلك النظام الاجتماعي غير سعداء للغاية وان كانوا يستهلكون أكثر ويتمتعون بمزيد من الراحة وأمن أكبر، لكنه ليس لديهم إيمان بالمستقبل ولا يملكون حتى الثقة بالنفس ويفتقدون محبة الناس لبعضهم ولحياتهم ولواقعهم وليس لديهم بهجة الحياة البسيطة وغير قادرين على الحكم على الشؤون العامة، فنتيجة لكل ذلك يواجه الإنسان المعاصر في كل خطوة مواقف لا يستطيع هو نفسه الحكم عليها ويتم تقويض قدرته على الحكم يوميًا من خلال الإعلانات التي تنصحه غالبًا بالبضائع السيئة والأفكار المستهلكة ليتعلم ألا يثق وان ينقاد للموجهين بسهولة.
الوضع يسوء ويسوء وعندما يُطلب من الناخب اختيار منتج سياسي عبر سوق الانتخابات والذي يتم عبره استخدام وسائل إعلانية مضللة يتم استعارتها مباشرة من الممارسات التجارية ويشار إليها بنفس فعل البيع فتحاول الأحزاب عبرها بيع الناخبين لمرشحيها وبذات الوقت يحاول المرشحين التجارة والبيع لأفكارهم المبسطة عمدا والطعن ليس في ذهن الناخب فقط إنما الطعن بأذواقه وتحيزاته وميوله، ومع طريقة عرض دنيئة كهذه فسيعتاد الناخب على سماع ما يحبه فقط والأنزعاج إذا سمع شيئًا من الأفكار الجديدة وغير المعتادة والتي ستسبب له الكثير من العداء لدرجة أن إدراكه سيتطلب من بذل جهداً عقلياً، وسيحاولون من خلاله أن يحطموا فكره وحاضره ومستقبله وحياته كلها، وهكذا تصبح الانتخابات نوعًا آخر من المنافسة وهي أسوأ بكثير من مفاسد التجارة لأنه في السياسة من المفترض ليس فقط الثناء على منتج واحد وإنما يتجاوز أيضًا لإدانة المنافسين وافكارهم وبرامجهم .
وإذا كان الناخب المشتري غير قادر منذ فترة طويلة على فهم البضائع المعروضة في التجارة المعتادة فإن السوق السياسي سيقوده إلى الارتباك التام فيقترح المرشحين على الناخبين حل عدد من القضايا الأكثر تعقيدًا بدءًا من الضرائب والإعفاءات الجمركية وينتهي بمحطات الطاقة النووية وحتى مشاريع الفضاء، وليس سرا إن قولنا إن السيد المرشح قد لا يفهم من اقواله شي غير نطقها للناخبين الذين لن يعرفوا كيفية وضع العديد من الأسئلة في الاعتبار ويتبعون سؤالًا واحدًا فقط غير انهم غالبًا ما يصوتون لمرشح اهداهم شيئا أو وعدهم بشيء أو انه يتمتع بنظرة أكثر إثارة وخطاب أكثر ثقة!!! فهنا نتساءل لماذا نحتاج إلى هذه الكوميديا الكاملة للانتخابات؟ أليس من السهل نقل قرار جميع الحالات إلى الخبراء؟ وإن كنا نطالب بالحكومة التمثيلية، فما هي مزاياها؟ والتي أتاحت لها الأسبقية في العالم الحديث!! وفي بعض الأمور المهمة لا يمكن اتخاذ قرارات جذرية ولا تؤدي التدابير الجزئية إلى أي مكان فتتطلب الطبيعة العامة للأنظمة الحية في بعض الحالات إجراءات ثنائية التفرع والاختيار بين نعم و لا، إذ بدون مثل هذه الأفعال لا يمكن للطيور أن تطير ولا يمكن للرجل أن يصبح أباً ولا يمكن للمرأة أن تصبح أماً، بينما في الحياة العامة وهذه التقنية قد لا تعمل في الحالات التي تحاول فيها كسر المفاهيم القائمة بالفعل في المجتمع الذي فيه أصبحت الديمقراطية موضة وحان الوقت للتفكير في كيفية تمكننا بالهروب منها، غير إن السؤال الأهم هنا يتمحور، في هل يمكننا إن نبتكر من الديمقراطية برنامجا إنسانيا راشدا ؟؟؟




إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
يرجى كتابة النص الموجود في الصورة، مع مراعاة الأحرف الكبيرة والصغيرة رموز التحقق
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟