كتب حسني الخطيب : مشروع الغرب التدميري التكفيري في العالم العربي الإسلامي

تعتبر المعركة الراهنة في العالم العربي والإسلامي اليوم بين مشروع التنوير ومشروع التكفير من أخطر المعارك التي عرفتها هذه المنطقة تاريخيا، حيث أنها ستحدد لمئات السنين القادمة مسار الصيرورة في هذا العالم العربي والإسلامي، الذي إنفجرت قضاياه المتعددة ومشاكه المتنوعة وتكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب، ففي ماضي الصراعات في هذا العالم كان الأعداء من الداخل تارة ومن الخارج تارة أخرى، أما اليوم وفي هذه اللحظة التاريخية الحرجة والخطيرة تحالف أعداء الداخل والخارج في معادلة تدميرية تفجيرية قل نظيرها.

فالخارج متمثل في المركزية الغربية الصهيونية والتي تنتعش دوما من خلال سياسة توتير العالم العربي والإسلامي، ودليل ذلك ما جاء في مقابلة أجرتها وكالة الإعلام الأمريكية مع (برنارد لويس) في 20/5/2005م والتي قال فيها بالنص: (إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة إحتلالهم وإستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الإجتماعية، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في إستعمار المنطقة، لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي إقترفتها الدولتان، وإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بإنفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة إحتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الإستعمار الجديد لا مانع أن تقدم أمريكا بالضغط على قيادتهم الإسلامية، دون مجاملة ولا لين ولا هوادة، ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، وإستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها).



هذا وقد أعلن عن ذلك صراحة (موشيه دايان) قبل سنوات، وذلك في لقاء مع مجلة (بمحنيه) الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي عندما قال: (إننا (أي إسرائيل) قلب مزروع في هذه المنطقة، غير أن الأعضاء الأخرى (العرب) هناك ترفض قبول هذا القلب المزروع، ولذلك لا خيار أمامنا سوى حقن هذا القلب بالمزيد والمزيد من الحقن المنشطة من أجل التغلب على هذا الرفض)، مؤكدا أن هذا الأمر بالنسبة لدولة إسرائيل حتمية حياتية.

وهكذا فإن من يقرأ أدبيات وخطاب منظري المركزية الغربية والصهيونية، يدرك أن العالم العربي والإسلامي وضع تحت مجهر البحث والإستقصاء والإستقراء العلمي والمعرفي، حيث يملك الغرب الإستعماري إرثا معرفيا وإبستمولوجيا عربيا وإسلاميا مسروقا من المكتبات الوطنية العربية والإسلامية أثناء الهيمنة الغربية على البلاد العربية والإسلامية، وقد إستطاع هذا العقل المعرفي الغربي وحتى الصهيوني من قراءة التاريخ الإسلامي وإستكشاف محاسنه ومساوئه، وقرر فيما بعد إعادة إنتاج المساوئ والسلبيات في عالمنا العربي الإسلامي، وذلك حتى نقوم بتدمير أنفسنا وبلادنا وحضرتنا وتاريخنا بأيدينا نحن وليس بأيدي الآخر.

ويجدر الإشارة هنا أنه إنعقد في العاصمة الصهيونية تل أبيب قبل سنوات مؤتمر عن فكر العلامة إبن خلدون، وعندما سئل باحث إسرائيلي عن سبب إختيار إبن خلدون تحديدا، أجاب قائلا: (إن ابن خلدون أفضل من درس العقلية والسيكولوجية العربية، ومن خلاله نعرف أعداءنا أكثر).

ونلاحظ هنا كيف بدأ العقلان الغربي والصهيوني يؤسسان لمشروع فكر إسلامي جديد ومتشدد، وذلك في محاولة لصياغة رؤية ثقافية إسلامية تجهز على الإرث الإسلامي الحضاري، والذي كان سببا في تصدر المسلمين عموما لمواقع ريادية في المسرح الدولي والعالمي لقرون عدة سابقة، حيث يهدف هذا المشروع التدميري إلى تحويل الإسلام الذي أخرج العرب من الظلمات إلى النور وأوصلهم إلى القارات الخمس إلى

إسلامات وتدميره من الداخل، إضافة إلى خلق مشكلة الشرعية الإسلامية ومن يمثل الإسلام، وتحويلها إلى أداة تدمير، وهي نفس الخطة التي إستطاع من خلالها كعب الأحبار تلويث وتسميم الموروث الإسلامي المحمدي.

هذا وكما يقول مدير وكالة الإستخبارات الأمريكية الأسبق (وليام كيسي) أن المشاريع الغربية الصهيونية يشرف عليها وعلى التأصيل حكماء (علماء) في التاريخ والجغرافيا وعلم الإجتماع والنفس والإنتروبولجيا والجيوسياسية وغير ذلك، لهذا فهي دقيقة وشاملة، وللتأكيد على ذلك يكفي أن نضع إصبعنا على أي جغرافيا إسلامية أو عربية لنكتشف حجم الخراب فيها.

كما وإن الفقه التكفيري الذي أسس له أو على الأقل عمل على إحيائه العقل الصهيوأمريكي أنتج أحكاما شرعية في الراهن الإسلامي تستدعي الناتو وتمجد التدخلات الغربية في بلادنا، بل وتجعل الكيان الصهيوني بريئا ونزيها مقارنة بحكام وشعوب وحتى بلاد عربية وإسلامية أعتبروا كلهم كفارا وزنادقة وباتوا في دائرة الإستهداف الفقهي والإسلامي.

وهذا لا يعني أن كل المنتمين إلى التيارات الإسلامية خونة أو مدركين لحجم التخطيط الإستكباري، ففي عقلية الأمن والإستخبارات يكفي أن تسخر الإستخبارات الصهيونية والأمريكية والغربية عميلا واحدا بهيئة وعباءة إسلامية أو شيخ بلحية وقورة ليقود الجماهير بإتجاه الهاوية.

أخيرا نقول أنه من خلال هذا المشروع (الغربي التكفيري) إنفرط الإجماع في العالم العربي والإسلامي، وتبددت قوة الأمة الجماعية، ودب الخلاف والتكفير والزندقة والفتاوى الكوميدية والصراع السني الشيعي والسني السني وغيرها من الصراعات والخلافات الطائفية والمذهبية وحتى العقائدية، والتي يعمل على تأجيجها وإذكائها كل من هب ودب وبعلم ومعرفة وبجهل وسذاجة، وما لم يتحرك العقل المسلم العربي لوضع حد لهذا الإختراق الخطير لقلاعنا الفكرية والإستراتيجية والحضارية، فسوف تستمر سلسلة الإنهيارات الكبرى في العالم العربي والإسلامي وعلى كافة الصعد والمجالات.

المصادر
الدكتور يحيى أبو زكريا



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟