"دمشق ... حلب" ... بقلم المهندس باسل قس نصر الله مستشار مفتي سورية

اتصل بي الأخ المخرج الرائع باسل الخطيب ودعاني الى حفل عرض فيلم "دمشق حلب" في مدينتي حلب، وقال لي أن الأستاذ دريد لحام سيكون حاضراً أيضاً.
أعدتني أيها العزيز باسل، لخمسين عاماً الى الوراء، إلى صيف عام 1969 حيث قام الفنان دريد لحام ونهاد قلعي بتصوير فيلمهم "خياط للسيدات" وتم التصوير في اللاذقية حيث كنت أقضي العطلة الصيفية، ولا أحد يعرف بأنني كنت عاشقٌ صغير لكليهما (كان عمري لا يتجاوز الحادية عشرة)، فكنت ألاحق التصوير  يومياً، وأستخدم كل شيطنة الصغار لأعرف أين سيصورون.
في إحدى المشاهد التي أذكرها أيها العزيز باسل وكأنها البارحة، كانت في قهوة "العصافيري" الشهيرة، التي يذكرها من عاش في اللاذقية ومن تمشى على الكورنيش القديم وأكل الكعك من البائع الذي يقف قرب مدخل القهوة، ولا أنسى أن البائع كان يرفع الخشبة التي تصطف عليها "الكعكات" ليخرج لي واحدة، ويعطيني القليل من الزعتر لأغمس الكعكة به وآكلها.


أخي باسل، كن مدهوشاً آنذاك من رؤيتي كيف يمثلون وأدهشني أن ارى الأستاذين يرتشفان القهوة بانتظار البدء في التصوير، ولم أكن أستوعب أنني أراهما على طبيعتهما.
بعد خمسين سنة تقريباً، وقفت أمام الأستاذ دريد لأفتخر بنفسي.
أخي باسل بعد خمسين سنة عرّفتُ نفسي متباهياً أمام الأستاذ بأنني مستشار لمفتي سورية.
بعد خمسين سنة عدتُ الى ذاك الطفل الشقي باسل، لأرى الأستاذ على طبيعته.
الفارق خمسون سنة.
فيلمك الذي أخرجته ببراعة وأعطاه الأستاذ انسانية شفافة راقية كدتُ أكفرُ بها من خلال عيشي الفترة القاسية، فأعادني الى إحساسي بأننا لا يجب أن نفقد انسانيتنا مهما كانت الأحزان واليأس يحيط بنا.
فعلاً كانت الفترة التي صورتها فترة قاسية، مرة، حزينة الى درجة الألم.
خلقتم إصراراً على الحياة
عندما قام الأستاذ دريد بالقاء كلمة بسيطة لكنها عميقة، أحسست بهذا الطفل العفريت يتلبسني فصفقت ولم أهتم للوقار المزيف بداخلي، لأنني من خلال الكلمات كنت أصفق لسورية، وأمام الوطن يتحطم كل الزيف.
عاد فذكَّرَنا بالبعض من الكثير ممن أنجبتهم حلب، البعض الذي تبادر بعجالة الى ذهنه.
كل واحد منّا فهم الرسائل التي وجهها الفيلم على طريقته.
كل واحد منا أسقط الفيلم على دواخله
كلنا فقدنا أحبة هاجروا أو ماتوا أو اختفوا
وكلنا عشنا الخوف وفقدان أسس العيش
وكلنا كانت لنا لحظات سعادة نسرقها من زمننا المقهور والمعَذَّب والمُخيف
عزيزي باسل
كنتما رائعين
لقد عدت الى الكثير من الذكريات المؤلمة والحزينة خلال الأزمة، فبكيت.
أعترف بأنكما أبكيتماني
اللهم اشهد اني بلغت



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟