الشعبوية العربية ... بقلم : د حسين الديك

الشعبوية مصطلح قائم على استمالة الشعب من خلال العواطف والمشاعر والانفعالات ، ولقد ابدع العرب عبر تاريخهم بهذه السمة فقد صبغ تاريخ العرب بالتاريخ الشعبوي اي انهم شعبويون تاريخيا ، وتستخدم الشعبوية خطابات وشعارات و عبارات براقة رنانة عاطفية مثيرة فقط لاستقطاب الجماهير وكسب تاييدهم ، ولكنها في الواقع لا تقدم اي برنامج عمل او خطط واقعية تنقل هذه الجماهير وتاخذ بيدها الى بر الامان ، وهذا ما اصطلح على تسميته بالشعبوية العربية.

اصبحت الشعبوية دستورا للانظمة العربية السلطوية والتي تعتمد على خلق عدو وهمي للتذرع به في قمع الشعوب وكبت حرياتها وسلب حقوقها ، وفي تاريخ العرب الحديث مثلت الدكتاتوريات العربية هذا العدو بجهات عدة ولكنها في الحقيقة كان شيئا واحدا لا وجود له بل كان نوعا من الوهم والخيال فقط ، واستبسلت الانظمة العربية السلطوية في صنع بطولاتها المزعومة من خلال دغدغة المشاعر والعواطف واللعب على المخاوف من اجل الوصول الى الناس وكسب تاييدهم وبذلك كرست فلسفة الديماغوجية لترويض الجماهير العربية والتحكم بها واستعبادها.



ولقد ازدهر الخطاب الشعبوي في العالم العربي منذ التحرر من الاستعمار في اواسط القرن الماضي اذ تمثل في احتكار شخصيات عربية للسلطة والتحكم بالجماهير من خلال الخطاب الشعبوي واستطاعوا بناء انظمة تاتوليتارية سلطوية في بلادهم ، ابرز مظاهر تلك الانطمة هو التبجيل والتهليل والتصفيق للزعيم وللقائد وللحاكم الذي يقدم خطابا عاطفيا انفعاليا لا يمت للواقع باية صلة ، بل يحول الهزائم الى انتصارات ، ولعل خطاب الزعماء العرب بعد الهزيمة عام 1967م نموذجا على ذلك.

وتتلخص الشعبوية العربية في التصفيق والتمجيد والتبجيل لقائد لا ينتصر ولم ينتصر ولن ينتصر ، ولكنه يجمع الناس حوله بخطاب حماسي قومي او ديني ويحول الهزائم الى انجازات وفي الدول المتقدمة ياتي في مواجهة الخطاب الشعبوي الخطاب العقلاني المادي الملموس الذي يرتكز الى الحقائق والارقام والبيانات والمعادلات والبرامج الواضحة والتي تنفذ لتحقيق غايات المجتمع واهدافه ، وتواجه الخطاب الشعبوي خطاب النخب المثقفة في الدول المتقدمة والديمقراطية لتمثل نوعا من التوازن في الواقع الموجود رغم محدوديته. واما في العالم العربي فقد اصبحت النخب شعبوية وغارقة في الخطاب الشعبوي ولا تختلف في رؤيتها وعباراتها عن الشعبويين السلطويين ، وهنا تكمن المصيبة الاكبر بمجتمع نخبه وقياداته شعبوية ؟؟ فاصبحت الشعبوية ميزة او ماركة مسجلة للمجتمع العربي والتي لا يمكن التحرر منها بل يدافع عنها كمنتج فريد يعتز به ويفاخر به الأمم.



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهي اسباب تفشي ظاهرة الطلاق بين الجالية العربية المقيمة في امريكا ؟