كتب د. سليمان الصدي : شايلوك الإسلاميين!

حين أرى العهر الإعلامي الحقيقي الذي تقوم به أضخم القنوات الإعلامية المؤيدة للإسلاميين فيما يتعلق بما سمي الثورة السورية أتذكر مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، حين طالب شايلوك اليهودي التاجر الذي يتعامل بالربا بإلحاح متواصل بتطبيق العدالة واقتطاع رطل من لحم أنطونيو تنفيذاً للعقد الموقّع بينهما حين لا يتمكن أنطونيو من أن يفي بدينه لشايلوك، حينها برز شايلوك مجادلاً بارعاً، وكان للمحكمة أن تقتنع برأيه لولا ذكاء بورشيا التي طالبته باقتطاع رطل من اللحم من غير أن تنزل قطرة دم واحدة من أنطونيو.


لقد حاول الإسلاميون جهدهم أن يجادلوا، ويقنعوا عبر وسائل الإعلام، فقدّموا أكاذيب مضللة، ويمكن للمجتمع الدولي أن يقتنع بها لولا وجود ذكي تصدّى لهم، وكشف ألاعيبهم الخبيثة التي تنوعت بين إعلام مكتوب، والكتروني، ومرئي، ومسموع.
أتخيل لو أن حركة الإسلاميين قد نجحت وتمكنت من السيطرة على الحكم، كيف سيُكتَب التاريخ؟ سيقال إن البغدادي أمير المؤمنين الذي نشر دين الحق والعدل والرحمة، وأقام العدل بين الناس لا شك.
المؤرخون القادمون لن يكون لديهم ميدان واحد لتوثيق مادتهم التاريخية، فلن يجدوا من سيهتم بالتاريخ الورقي إلا الفئة التي تعمل في مجال البحث والدراسات العليا، برأيي سيكون التاريخ اليوتيوبي مصدر التاريخ لمن سيأتي بعدنا، لكن المؤرّخين سيقعون في معضلة الفصل بين التزوير والحقائق، فإعلام المعارضة المأجورة وقنوات النفط، وصحافة الغرب الخبيثة غزت اليوتيوب، لكن على الأقل سيحتوي اليوتيوب على حقائق لمن أراد البحث والتقصي.
لقد أصبح النصر السوري قاب قوسين أو أدنى، وتؤكد التحولات الإقليمية والدولية أن التحركات الإسلامية مقبلة على هزيمة نكراء عسكرياً وعقائدياً واجتماعياً، فقد خرج الإسلاميون من الحواضن الاجتماعية لكنّ ثمة تشكيكاً كبيراً اليوم حول جدوى مشروعهم وواقعيته، ونزاهته، وهو الذي رفع راية الجهاد، ووجّهها إلى قلب كلّ مسلم، وهو الذي رأى المسرحية الأمريكية حين رمت بن لادن زعيمهم إلى البحر، ولم يحظ ذلك بثأر واحد منهم مع أنهم نشروا ستة آلاف انتحاري في العراق والشام، لم يصل واحد منهم إلى إسرائيل وأمريكا لكن كان ذلك سهلاً وممكناً في حمص وحلب وطرطوس ودمشق وبغداد، فبدوا كالثيران الهائجة أمام أعداء إسرائيل وأمريكا، هذا كله يدوّنه التاريخ اليوتيوبي والتاريخ الورقي، فثمة تحالف خبيث بين الإسلاميين والغرب، وقدّم حزب العدالة والتنميةأنموذجاً عن هذا التحالف، فوصل الإسلاميون إلى السلطة في إسطنبول، وحافظوا على امتيازات الغرب في تركيا، ووفروا لها غطاء شرعياً دينياً إسلامياً بعد أن كان منتقدو التحالف مع الغرب يستندون إلى العداء التاريخي بين الشرق المسلم والغرب الصليبي في المفهوم الإسلامي.
ونتذكر هنا أحداث الثمانينيات في سوريا، نذكر الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الإخوان في مدرسة المدفعية في حلب، وسلسلة الاغتيالات والتفجيرات، وذروة المواجهات في حماه وسجن تدمر، فكان ما حدث نسخة مصغرة عما يحدث على كامل الرقعة الجغرافية السورية اليوم من ذبح للموالين ومحاكم شرعية ودعوات إلى الجهاد وعمليات نار واقتحام مؤسسات.
في الثمانينيات ألحقت هزيمة ساحقة بالإسلاميين لكن الرواية التي سادت بعد ذلك هي رواية الطرف المهزوم لأن الطرف السوري التزم الصمت ربما لأنه اكتفى بالنصر العسكري، فقد روج الإخوان المسلمون أن المتمردين في حماه كانوا بالعشرات لم يلتزموا بقرارات المرشد فعمل النظام على قتل الأبرياء واغتصاب النساء ليثيروا شفقة الآخرين، وليظهروا أنهم دفعوا ثمناً باهظاً من أجل حريتهم.
وظلت الرواية السورية صامتة إلى أن أتت الحركة التالية مع ما سمي الثورة السورية، فاخرجوا نسخاً أكثر دموية كداعش والنصرة وجيش الإسلام، وأكلوا القلوب وحرقوا الأحياء وبقروا البطون وتفننوا في أساليب قتل لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ومع ذلك ظلت روايتهم هي السائدة.
فيكفي أن ننظر في اليوتيوب فيما يتعلق بمعركة حلب لنرى حجم التضليل الإعلامي الهائل. حتى إن أحدهم سأل علماء المسلمين على اليوتيوب هل يحق للنساء في حلب الانتحار لتجنب الاغتصاب القادم بحقهن؟ هذا يعني أن الاغتصاب قادم لا محالة في الوقت الذي تؤكد مقاطع منتشرة على اليوتيوب خروج نساء من شرق حلب مع أطفال لا يعرفون من يكون والدهم إما بسبب الاغتصاب تحت ظل فوضى الإسلاميين، أو الاغتصاب الشرعي “جهاد النكاح”
الجيل القادم لن يقرأ التاريخ من الكتب بل من الفيسبوك واليوتيوب، ونحن سننتصر نصراً مبيناً لكن علينا ألا نكرر صمت الرواية السورية في الثمانينيات أمام هذا الفضاء الهائل الإعلامي، ويجب أن تكون روايتنا ذكية تكشف أباطيل شايلوك الإسلاميين.
إن تجربة الجيش السوري الالكتروني كانت ناجحة لو استمرت، فالتاريخ يكتبه المنتصرون، وقد كتبنا تاريخنا بدم الشهداء فهل نحن عاجزون عن تأريخه وتوثيقه؟!
كم كان المتنبي صادقاً حين قال:
لا يغرّنك اللحى والصور   فتسعة أعشار مما ترى بقر



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

هل سيتمكن دونالد ترامب من الالتفاف على المحكمة الدستورية العليا بقرارات جديدة حول الهجرة ؟