كتب سعدالله بركات : الصيوان .... الذي أنهكه جرح الوطن

في مطلع ونهايات سبعينات القرن المنصرم  ومابعد ،  كانت الجامعة والمهنة أوّ الجيرة  ، سبيلا لمعارف  عدة وصداقات معمقة من أنحاء الوطن ،  ريفا ومدنا ، على تنوع  المشارب ، لم يكن الفضل لي دائما في متانتها  ، لكن مع (عليّ وعليّ )  ،فقد كان لهما المبادرة  في  صداقة صدوقة ، تعزّزت  بمواقف حياة وثقة  أخوية عملانية  حتى بعد الافتراق وعلى مدى نحوأربعة عقود.  
الجامعة والمهنة كانتا المجال ، ولكن التوجه والرؤى الفكرية – على بعض اختلافها  -  كما العصامية والكدح والكد والنشأة ّ كانت القاسم الجامع  والمانع  ، وأما لحمتها فكانت تقاسم الهموم  والتعاون في حلّها ،حتى الشخصية منها .



أقول القاسم  المانع وأعني به من التصدّع ، لم تجمعنا رابطة  جزئية لبلدة أو بيئة جغرافية .
كاتب السطور من قرية على كتف بادية  حمص،  لفحتها شمس الصحراء ، فيصابح  الضوء أجراس أديرتها  ومآذن قرى الجوار ، وأبو يسار من ريف مصيف الزبداني ، وأبو أحمد من ريف طرطوس  الساحلية.    

 وكما كل صداقاتنا لم يحل دون متانتها  اختلاف المعتقد الروحي  ،  وتفرعاته ،  بل لعلّه كان  المحفّز عليها ، وعذرا لهذه الإشارة  فما كنت أمر عليها ، لولا ظروف احتراب الأمة وما تتلطى به من مسميات ، سهام الفتنة التي تنهال على سورية  وغيرها من كلّ  حدب وصوب .
 من نعم الله على المرء ، أن يمنّ عليه بهكذا صداقة ، ومن حمده أني اعتزّ بأمثالهما دون أن يحبطني بعض نكران ، وبعض جحود ، وربّما  عزّزاها ف "بضدها تتبين الأشياء".
لكلا (العلييّن ) فضل مبادرتي  فسحة عمل بمردود ومن دون طلب ، ما جرى حديث عن الصداقة ، إلاّ واستعدت رواية أو بالتذكّر، وفاء لبادرتيهما حين كنت حديث العهد في العاصمة والعمل والمهنة ،وفي عوز مطالع الشباب ومسؤوليات  الحياة  .

ولكن استحضار اليوم ممزوج بأسى عميق ، استدعته  ذكرى رحيل  صديق الإخاء ، والزميل علي الصيوان – أبو أحمد ،
أواخر العام 2015 أفرحني خبر عن عرضه تجربته الصحفية الثرية والمديدة  بين زملائه وقرائه ، ولم أكد أرد على رسالته  لمعايدتي في الميلاد ، حتى صدمني النبأ  في ديار الغربة .
 لم أكن أتخيل  أن مقاله  مطالع العام  المنصرم  ، هو آخر قراءاتي ، لما يسطره  يراعه ، ولما يستنبطه  من أفكار مترابطة ، مسنودة بحقائق التاريخ والوقائع ، وكأني به يمازج حبر قلمه وما يخطه ، بكريات دمه – حتى بعدما اعتمد طباعة الحاسوب- ، تراها العبارات تنساب من أعماقه مطواعة مترابطة  وأفكاره محبوكة  حبكة ناسج بارع ، ليأتي توقيعه  ختام بصمة صدق ومبدأ ، محمولا على ثقافة ثرّة  وجمالية خط وكتابة ،  كل كلمة في مكانها  كما لكل نقطة وفاصلة ،  لامجال لحشو وغثّ ، وأما سلامة اللغة ،فلم يكن ليتهاون فيها أويغفر الخطأ ، فكيف يتهاون أو يغفر للخطأ في الحياة والمسلك ، أو في التعامل والقيم ، وهو يأسرك بتواضعه  من غير مجاملة زائفة لشدّما كان يمقتها .

 كنت أصفه بالموسوعة المتنقلة ، ذاكرته حافظة لوقائع وتواريخ ، ومقولات ،ويوم كان استحضارها صعبا وسيلة وجهدا ، حيث لا "نت "ولا "غوغل" ، ما أن تستفسره  حتى يزودك بما استعصى عليك ، لينجدك مصححا أو مؤكدا ، من غنى قراءاته وسعة اطلاعه ومتابعته ، ومن مخزون فكري يفوق الكثير من الخريجين وإن لم يكن في عدادهم .    
ولاغرو وهو الذي استهوته الصحافة مبكرا ،لقد نشر أول  مقال في 2 نيسان 1962  ولم يتجاوز 17 عاما ،  تحت عنوان ( اتفاقية ايفيان ) بين فرنسا  والجزائر، في صحيفة البلاد التي كانت تصدر في اللاذقية ، حيث درس الثانوية  .

باشر دراسة الفلسفة في جامعة دمشق عام 1964  ، لكنه لم يتمّها  ، انتسب لمعهد الاعداد الاعلامي ، وكان الاول على دفعته .
كسب  معارف وصداقات واسعة ، فضلا عن تجربة غنية  في كتاباته  للإذاعة  وعدد من الدوريات ، عهدت إليه رئاسة قسم الدراسات في  صحيفة تشرين أواسط الثمانينات ، وما فارقتها مقالاته بعد سنوات من تقاعده وحتى آخرأسبوع في حياته .

 عزيز النفس ، رحل "أبو أحمد"   بعد سبعين عاما ،عن بيت مستأجر !!!؟.

رحل دون أن يفرح بأولاده ليرى حفيدا  ، ودون أن يكمل مشروعه في كتابة مذكراته عن تجربته الغنية ،  لقد عاجله القدر ، ليغمض عينيه على حلم قومي نذر نفسه له ، ما طاله يأس وما فارقته ابتسامة الأمل ، لكن قلبه  لم يعد يحتمل من آلام أمة وجرح وطن، ومن "خيانة قلم " لطالما  كان كارها لها ، فعاجلته  بالسكتة   " القاضية"  ليغادرنا  إلى  رحمته تعالى .    



إغلاق
تعليقات الزوار إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً
أضف تعليقك
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
عنوان التعليق  *
نص التعليق  *
رد على تعليق
الاسم  *
البريد الالكتروني
حقل البريد الالكتروني اختياري، وسيتم عرضه تحت التعليق إذا أضفته
نص الرد  *
 
اسـتفتــاء الأرشيف

ماهو سبب موافقة المحكمة العليا الأمريكية على تنفيذ قرار حظر السفر جزئياً ؟




Hawana Arabi هوانا عربي is on Mixlr